عيشوا كما يحقّ لإنجيل المسيح (34 )

خاص للأب ميخائيل يعقوب كاهن كنيسة مار آسيا في الدرباسية
الأب ميخائيل يعقوب
إداري
مشاركات: 712

عيشوا كما يحقّ لإنجيل المسيح (34 )

مشاركة#1 » 11 مارس 2012 12:14

الحشمة (3)
الزينة الداخلية

تقول كلمة الله في أشعياء النبي : كلّ جسدٍ عشبٌ ، وكلّ جماله كزهر الحقل ، يَبِسَ العشبُ ، ذبل الزهر لأن نفخة الربّ هبّت عليه ....... وأما كلمة إلهنا فتثبُتُ إلى الأبد ( أش4: 6-8 ) .

قصّــة
اعتاد أحد الآباء الكهنة أن يذهب كل يوم أحدٍ بعد انتهاء القدّاس الإلهي إلى بيت امرأة عجوز مقعدة كي يناولها من الأسرار المقدّسة . وكان في غرفة تلك المرأة العجوز صورة لفتاة شابة في غاية الجمال ، وكان الأب الكاهن يظنّ أن تلك الصورة ربما هي لإحدى حفيدات المرأة العجوز . وفي مرّة سأل تلك المرأة العجوز التي كانت التجاعيد الكثيرة قد شوّهت وجهها : لمن هذه الصورة يا خالة ، فأنا طيلة خدمتي لكِ لم أشاهد صاحبتها عندكِ ؟ فأجابت إنها لي يا أبونا حينما كنت شابة . حينئذٍ تذكّر الأب الكاهن قول صاحب الأمثال : الحسنُ غشٌّ والجمال باطلٌ (أم31: 3) .
إذاً . الجمال مظهر مؤقت ليس إلا .
وللجمال أنواعٌ ، فلكل مسألة حياتية جمالها . وأضرب بعض الأمثلة :
- للطبيعة جمالها ، لكنه سرعان ما يذهب حينما يأتي فصل الخريف وتتساقط أوراق الشجر . وإذا ما كانت الأشجار دائمة الخضرة فإنها مع الزمن يُصبح جمالها اعتيادياً أمام العيــــــون .
- للفكر جماله ، لكنه سرعان ما يذهب حينما يظهر فكرٌ متطورٌ أكثر منه .
- للسياسة جمالها . ولكنه سرعان ما يضمحلّ أمام أي مطبِّ سياسي .
- للعلاقات الاجتماعية عامة جمالها ، لكنه سرعان ما يضعف أمام المشكلات والخلافات الاجتماعية الكثيرة .
- للصداقة جمالها ما يلبث أن يخفّ أمام بعض المواقف أو الكلمات التي يلحظها أو يسمعها الصديق من صديقه .
- للعلاقات العشائرية جمالها ما يلبث أن يذهب أمام المعاتبات بين أفراد العشيرة أو الرؤيا الخاصة لكل فرد من أفرادها .
- للموضة جمالها ما يلبث أن يموت بظهور موضة أخرى .
إذاً . جميع أنواع الجمال تذهب ولكن الذي يثبت هو الجمال الأصلي ، فما هو ؟
إنه هو جمال النفس بالإيمان . وهذا هو الجمال الذي أشار إليه الرسول بطرس وهو يخاطب النساء عامة : ولا تكن زينتكنّ الزينة الخارجية من ضفر الشعر والتحلي بالذهب ولبس الثياب ، بل إنسان القلب الخفي في العديمة الفساد ، زينة الروح الوديع الهادئ الذي هو قدّام الله كثير الثمن ( 1بط3: 3-4 ) .
سُؤِلَ شابٌ وهو من دعاة حشمة المرأة عامة : ما الذي جعلك من دعاة الحشمة عند المرأة ؟
أجاب قائلاً : إن المرأة المحتشمة تُلفت انتباهي إلى كثير من الأمور منها :
- وداعتها وليس تبجحها .
- اتضاعها وليس تشامخها .
- إرضائها للرب وليس الناس .
- اهتمامها بكشف جمال روحها ونفسها وليس كشف جمال جسدها .
- إنها سماوية وليست أرضية .
- بنت لله وليست بنتاً للشيطان .
- غالبة للعالم لا منساقة وراء تياراته .
- هي في طريق الملكوت وليس الجحيم .
بالمختصر إنها فتاة عاقلة جداً وليست طائشة كغيرها من البنات ، وهذه هي التي أريدها زوجة لي لتكون أماّ لأولادي .
هذا كلّه أحبائي يقودنا إلى وجوب الاهتمام بالزينة الداخلية . فماذا يعني الاهتمام بالزينة الداخلية ؟
من المعاني الكثيرة أذكر أربعة :
1- الاهتمام بالزينة الداخلية يعني الامتلاء الداخلي .
2- ويعني الاتضاع والوداعة .
3- ويعني فهم الجمال الحقيقي .
4- كما يعني إدراك الحقيقة .
نتوقف قليلاً عند كل من هذه المعاني الأربعة .

أولاً . الاهتمام بالزينة الداخلية يعني الامتلاء الداخلي .
إن المقصود بالامتلاء الداخلي هو امتلاء الإيمان ومحبة الله ، الأمر الذي يجعل المؤمن يترفّع عن الاهتمام بالشكل بل الاهتمام بالجوهر لأن ذلك يتوافق مع الإيمان ومحبة الله ، وهذا يذكرني بحديث الرسول بولس الذي قال فيه : لأنه في المسيح يسوع لا الختان ينفع شيئاً ولا الغرلة بل الإيمان العامل بالمحبة (غل5: 6) . ولنا في إنجيلنا أمثلة كثيرة عن الامتلاء الداخلي أذكر منها :
(1) كانت أمنا مريم العذراء ممتلئة تماماً بالإيمان ومحبة الله ما جعلها مستحقة أن تُصبح أماً ليسوع المسيح ابن الله .
(2) حينما امتلأت المرأة النازفة بالإيمان ومحبة الله فإنها استحقت أن تُشفى من دائها دون أن تطلب من المسيح الشفاء ، إذ تدفقت قوة من المسيح وغمرت كل كيانها وشفتها . وهذا ما عبّر عنه ربنا يسوع المسيح بقوله لها : ثقي يا ابنة إيمانك قد شفاك ( مت9: 20-22 ) .

ثانياً . الاهتمام بالزينة الداخلية يعني الاتضاع والوداعة .
ولنا في هذه المسألة ربنا يسوع المسيح أكبر مثال ، الذي لم يكن مهتماً أبداً بالمظهر إذ كان لباسه منسوجاً قطعة واحدة ( يو19: 23 ) . إن له المجد ظهر كإنسان غير مهتم بالمظهر ، بل كان ممتلئاً تواضعاً ووادعة . وقد جسّد هذا الامتلاء عملياً حينما انحنى وغسل أرجل تلاميذه ، وبعد أن انتهى قال لهم : إن كنت وأنا السيد قد غسلت أرجلكم فأنتم يجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعضٍ ، لأني أعطيتكم مثالاً حتى كما صنعت أنا بكم تصنعون أنتم أيضاً ( يو13: 14-15 ) .
كما إنه له المجد كان قد قال عن أهمية التواضع وضرورته : فمن يرفع نفسه يتضع ، ومن يضع نفسه يرتفع ( مت23: 12 ) . وعن الوداعة قال له المجد : طوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض ( مت5: 5 ) .

ثالثاً . الاهتمام بالزينة الداخلية يعني فهم الجمال الحقيقي .
إن المفهوم الحقيقي للجمال هو جمال الروح والنفس . وإن جمال النفس هو التزيُّن بالمسيح ، لأن النفس والحالة هذه سوف تجد أن المفاتن الحقيقية هي تلك المنبعثة من البرّ والحكمة والصبر والاحتمال والاتزان وحب الخير والاحتشام . وإن هذه المفاتن تفوق كل جمال . إن الفريسيين الذين كانوا فارغين من الجمال الحقيقي ، وكان كل اهتمامهم منصباً على الزينة الخارجية ، قال لهم رب المجد يسوع معنّفاً : ويلٌ لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تُشبهون قبوراُ مبيضّة تظهر من خارجٍ جملية وهي من داخلٍ مملوءة عظام أموات وكل نجاسة ، هكذا أنتم أيضاً من خارجٍ تظهرون للناس أبراراً ولكنكم من داخل مشحونون رياءً وإثماً ( مت23: 27-28 ) .
حينما ذهب صموئيل النبي بأمرٍ من الله كي يمشح أحد أولاد يسّى ملكاً فإن أول ما لفت انتباهه هو الابن الأكبر الذي كان طويلاً حسن المنظر فسُرَّ به فأخرج قرن دهن المشحة كي يمشحه ملكاً لكن الله قال له لا تنظر إلى منظره وطول قامته لأني قد رفضّته لأنه ليس كما ينظر الإنسان ، لأن الإنسان ينظر إلى العينين وأما الرب فإنه ينظر إلى القلب ( 1صم16: 7 ) .

رابعاً . الاهتمام بالزينة الداخلية يعني إدراك الحقيقة .
وإن الحقيقة المقصودة هي التي ضمّنها رب المجد يسوع في قوله : لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه ، أو ماذا يُعطي الإنسان فداء عن نفسه ، فإن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته وحينئذٍ يجازي كل واحد حسب عمله (مت16: 24-27) . ومن حديثه هذا له المجد نجد أن هناك حقيقة لا يمكن أن تتغير ولا أن تضعف أو تزول ألا وهي أن عمر الإنسان قصير وإن طال ، وسوف يأتي يوم يغادر فيه هذه الحياة . فإن لم يكن هذا الإنسان مزيِّناً نفسه بالمسيح وهو في حياته الزمنية فإنه سوف يخسر نفسه إلى الأبد في نار الجهنم ، والعكس صحيح .
وللمسيح المجد إلى الأبد آمين .

العودة إلى “منتدى الأب ميخائيل يعقوب”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائر واحد