عيشوا كما يحق لإنجيل المسيح (5)

خاص للأب ميخائيل يعقوب كاهن كنيسة مار آسيا في الدرباسية
الأب ميخائيل يعقوب
إداري
مشاركات: 712

عيشوا كما يحق لإنجيل المسيح (5)

مشاركة#1 » 03 إبريل 2011 12:08

كيف نعيش كما يحقّ لإنجيل المسيح ؟
الجـــواب : بالرحمـــة .
لكي نُدرك أهمية الرحمة نتكلّم عنها على الشكل التالي :
اولاً )) رحمة يسوع المسيح .
اتسمت كل تصرفات يسوع المسيح بالرحمة لأنه الله وقد ظهر بالجسد . وإننا نلاحظ ذلك بقراءتنا للإنجيل إذ نجد :
1) حينما دُفعَ إلى المسيح سفر أشعياء النبي فإنه له المجد فتحه وقرأ ما كُتبَ عنه : روح الربّ عليّ لأنه مسحني لأبشّر المساكين ، أرسلني لأشفي المنكسري القلوب ، لأنادي للمأسورين بالإطلاق ، وللعمي بالبصر ، وأرسل المنسحقين في الحريّة ( لو4: 18 ) .
- لأبشر المساكين . من هم المساكين ؟ إنهم الذين لا خلاص لهم فجاء له المجد ليبشرهم بالخلاص ، وهذه رحمة .
- لأشفي المنكسري القلوب . ومن هم المنكسري القلوب ؟ إنهم الذين ضُربوا بأي نوع من الضربات دون أن تكون لهم تعزيةً فجاء له المجد ليُجبر قلوبهم ويمنحهم تعزية ، وهذه رحمة .
- لأنادي للمأسورين بالإطلاق . ومن هم هؤلاء ؟ إنهم الذين قيّدهم إبليس في سجن الموت فجاء له المجد كي يُحررهم من ذلك السجن ويُخرجهم إلى حريّة أبناء الله ، وهذه رحمة .
- للعمي بالبصر . ومن هم العميان ؟ إنهم الذين أصيبت بصائرهم بعمى الفهم والإدراك حتى أنهم باتوا لا يعلمون ما هو لخلاصهم وما هو لهلاكهم فجاء له المجد ليمنحهم بصائر تفهم وتُدرك ما هو لخلاصهم حتى يخلصوا ، وهذه رحمة .
- المنسحقين في الحريّة . ومن هم هؤلاء ؟ إنهم الذين سًحقوا بوسائل شتّى من إبليس أو أياً من أعوانه الأشرار من البشر ، فجاء له المجد ليحررهم ويعيدهم إلى كرامة أولاد الله وهذه رحمة .
2) حينما جاء تلميذا يوحنا المعمدان إلى يسوع وهما محملان رسالة من المعمدان تقول : هل أنت هو الآتي أم ننتظر آخر ؟ وبعد أن شفى يسوع أمامهم مرضى كثيرين ومنح البصر لعميان كثيرين ، ومشياً صحيحاً لعرجٍ وأقام موتى قال لهم لهما : اذهبا وأخبرا يوحنا بما رأيتما وسمعتما أن العمي يُبصرون ، والعرج يمشون ، والبرص يُطهّرون ، والصمّ يسمعون ، والموتى يقومون ، وطوبى لمن لا يعثر فيّ ( لو7: 20-23 ) .
- العميان ، هم عميان العينين والبصيرة ، وإن منحهما البصر والبصيرة هو رحمة .
- العرج هم عرج الرجلين ، وهم الذين لا سير صحيح لهم في الحياة الروحية ، وإن منح هؤلاء صحة جسدية أم نفسية هو رحمة .
- البرص ، هم المصابون بموتٍ في الجلد أو في النفس لأن البرص هو موت . وإن إعادة الحياة لأجساد وأنفس هؤلاء هو رحمة .
- الصم ، هم الذين لا يسمعون بآذانهم ، وفي نفوسهم أيضاً لكلمة الله ، فإن منحهم نعمة السمع المزدوجة هو رحمة .
- الموتى ، هم موتى الخطايا ، وإن تبريرهم وغفران خطاياهم هو رحمة .
3) كان يسوع يحب الخطاة ، وهم كانوا يجدون فيه صديقاً لهم ، كل ذلك لأجل إعادتهم إلى جادة الصواب ، فنجده مثلاً :
- يدعو إليه متى العشار ، فيتبعه متى ثم يصير تلميذاً له ، وهذه رحمة عظيمة ( مت9: 9 ) وحينما كان في بيته ( أي في بيت متى ) تذمّر عليه الكتبة والفريسيون لأنه جالس الخطاة ، فدافع له المجد عن رحمته لهؤلاء العشارين والخطاة بالقول : لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى ، لم آتي لأدعو أبراراً بل خطاة إلى التوبة .
- وفي مثل الخروف الضائع أعلن له المجد أن كل إنسان خاطئ بعيد عن الخلاص أو يبتعد منه إنما هو ذلك الخروف الضائع ، الذي يخرج الراعي للبحث عنه تاركاً التسعة والتسعين لأجل إيجاده وإعادته إلى حظيرة الخراف . وأثبت له المجد هذه الفكرة بقوله في نهابة المثل : هكذا يكون فرحٌ في السماء بخاطئ واحد يتوب أكثر من تسعة وتسعين لا يحتاجون إلى توبة ( لو15: 1-7 ) وهذه رحمة .
4) يُبدي يسوع رحمة تجاه الكل دون استثناء ، وهذا ما نجده في مواقف كثيرة أذكر منها :
- حينما رأى له المجد جموعاً كثيرة لا أحد يُرشدها ويوجهها إلى خلاصها تحنن عليها وقال لتلاميذه : الحصاد كثير ولكن الفعلة قليلون فاطلبوا من ربّ الحصاد أن يُرسل فعلة لحصاده ( مت9: 35- 38 ) وهذه رحمة .
- في معجزتي إكثار الخبز والسمك بيّن رحمته الكبيرة إذ أشبع آلافاً من الجياع الذين احتملوا الجوع لعدة أيامٍ لأجل الاستماع إلى كلمة الله ( مت14 و 15 ) وهذه رحمة .
- تحنن على أرملة نايين فأقام من الموت ابنها وحيدها ( لو7: 13 ) وهذه رحمة .
- يايرس الذي جاء إلى يسوع متوسلاً من أجل ابنته ، فرحمه وأقام ابنته من الموت ( لو8: 54 ) .
5) هذا الذي قلناه نجد له ملخصاً في هؤلاء الذين كانوا يلجئون إلى يسوع طالبين رحمته أذكر منهم :
- المرأة الكنعانية التي صرخت إليه طالبة أن يشفي ابنتها قائلة : ارحمني يا سيد يا ابن داود ابنتي مجنونة جداً . وكانت النتيجة أن رحمها وحرر ابنتها ( مت15: 21-28 ) .
- ذلك الرجل الذي كان مفجوعاً بابنه الذي كان يصرعه الشيطان فيلقيه تارة في النار وتارة في الماء ويعذبه كثيراً ، جاء إلى يسوع وسجد له قائلاً : يا سيد ارحم ابني .... وكانت النتيجة أن رحمه يسوع ورحم ابنه وأخرج منه الشيطان ( مت17: 18 ) .
- الأعميان اللذان صرخا إليه قائلين : ارحمنا يا سيد يا ابن داود . فاستجاب له المجد لهما ورحمهما ومنحهما البصر ( مت20: 30-34 ) .

ثانياً )) قلب الله الرحيم .
أظهر يسوع هذا الوجه من الرحمة الإلهية بأنها رحمة صميمية تتجلى في صبر الله على الخطاة إلى أن يعودوا وبالتالي يجعله صبره ينتظر الخطاة بكل المحبة انتظاراً طويلاً إلى أن يعودوا ليرحمهم ويقبلهم كبنين وليس كعبيد ، وهذا ما نجده في أكثر من إعلان منها :
1) مثل الخروف الضال . الذي هو كل خاطئ يبحث الله عنه كي يعيده إلى حظيرة الخراف ( لو15: 1-7 ) .
2) مثل الدرهم المفقود . حيث أن الدرهم له قيمة نقدية ، هكذا كل إنسان له قيمة عند الله تتجلى في حرص الله أن يأتي هذا الإنسان إلى حظيرة أولاد الله ( لو15: 8-10 ) .
3) مثل الابن الضال الذي كان والده يترقّب عودته بفارغ الصبر ، وما أن عاد نسي والده ما بدر منه من سوء وشرّ وأعاده فوراً إلى مكانته كابن حبيب ومدلل . وهكذا الله أيضاً التي تجعله رحمته ينتظر عودة كل خاطئ حتى يمحو له ما بدر منه من سوء وشر ثم يعيده إلى مرتبة البنين كابن في عائلة الله الخلاصية .
وفي الحقيقة إن الله كأب حنون للبشر هو أبو المراحم ، وهذا ما أكّده الرسول بولس في أكثر من حديث أذكر منها :
- في ( 2كو1: 3 ) قال : مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح أبو الرأفة وإله كل تعزية .. حيث أن الرأفة هي الرحمة بعمق كبير .
- في ( 1كو7: 25 ) قال : وأما العذارى فليس لي أمرٌ من الرب فيهنّ ، ولكنني أعطي رأياً كمن رحمه الرب أن يكون أميناً .
- في ( 2كو4: 1 ) قال : من أجل ذلك إذ لنا هذه الخدمة كما رُحمنا لا نفشل .
- في ( 1تي1: 13 ) تحدّث عن نفسه حينما كان مقاوماً لكنيسة المسيح قائلاً : أنا الذي كنت قبلاً مجدفاً ومضطهداً ومفترياً ، ولكنني رُحمت لأنني فعلت بجهل في عدم إيمان .
- في ( 1تي1: 2 ) قال : إلى تيموثاوس الابن الصريح في الإيمان نعمة ورحمة وسلام من الله أبينا والمسيح يسوع ربنا . كذلك في ( 2تي1: 2 \ تيطس1: 4 ) .

ثالثاً )) بالرحمة نعيش كما يحقّ لإنجيل المسيح .
بما أن ربنا يسوع المسيح له المجد جاء إلهاً رحيماً لذلك فإنه دعانا أن نعيش كما يحق لإنجيله بالرحمة ، وهذا ما تجلى في مبادئ ومسائل دينية كثيرة طرحها له المجد أذكر منها :
1) يستطيع كلّ منّا أن يصل إلى مرتبة الكمال بالرحمة ، وهذا ما عبّر عنه ربنا له المجد بالقول : فكونوا رحماء كما أن أباكم أيضاً رحيم ( لو6: 36 ) .
2) أن يكون المؤمن رحيماً شرطٌ أساسي لرحمة الله عليه ، وهذا ما أكّده ربنا له المجد بالقول : طوبى للرحماء لأنهم يُرحمون ( مت5: 7 ) .
3) الرحمة مطلب إلهي متقدمٌ ، وهذا ما أكّده له المجد بالقول : فاذهبوا وتعلّموا إني أريد رحمة لا ذبيحة ( مت9: 13 \ 12: 7 ) .
4) الإنسان هو أخ وقريب الإنسان أياً كان انتماء الاثنان ، وهذا ما أكّده له المجد في مثل السامري الصالح ( لو10: 30-37 ) .
5) لا حدود للرحمة ، وذلك لأنها صفة إلهية . فكما أن الله تبارك اسمه غير محدود لذلك فإن أياً من صفاته الإلهية غير محدودة ومنها الرحمة ، وبالتالي فكما أنه تبارك اسمه غير محدود في رحمته هكذا يُطلب من أولاد الله أن يكونوا رحماء دون حدود ، وهذا ما أكّده ربّ المجد في ردّه على بطرس الذي قال له : كم مرة يُخطئ إلي أخي وأنا أغفر له ، هل إلى سبع مرات ؟ فأجابه قائلاً : لا أقول لك إلى سبع مرات بل إلى سبعين مرة سبع مرات . ثم ضرب له المجد مثلاً في هذا الخصوص وهو مثل الملك الذي سامح عبداً كان مديوناً له بعشرة آلاف وزنة ، لكن ذلك العبد لم يُسامح رفيقاً كان مديوناً له بمئة دينار ، ما أدى إلى أن مسكه الملك وزجه في أعماق السجن وقال أنه لن يخرج إلى أن يوفي الفلس الأخير . ثم ختم قوله بالقول : هكذا أبي السماوي يفعل بكم إن لم تتركوا كل واحد لأخيه زلاته ( مت18: 21-34 ) .
6) أخيراً . جعل رب المجد أعمال الرحمة قاعدة للدينونة في اليوم الأخير حينما قال بأنه سوف يأتي ويجمع كل الناس أمامه ويقسمهم إلى قسمين ، أحدهما إلى اليمين والآخر إلى اليسار ، وإن الذين عن اليمين سوف يأخذهم إلى ملكوته الأبدي لأنهم كانوا رحماء ، وأما الذين كانوا عن اليسار فإلى العذاب الأبدي لأنهم لم يكونوا رحماء ( مت25: 31-46 ) .
فما هي الرحمة أخيراً ؟
إنها الرأفة والحنان والعطف والشفقة والتسامح الذي نمارسه مع الناس بمحبة كاملة ، وهذه الممارسة تأخذ أشكالاً وصوراً وحالات كثيرة منها :
1) المساعدات العينية ( مال ، طعام ، لباس وغيرها ) هي رحمة .
2) المساعدات المعنوية في ( موقف ، مرض ، محنة ، مصيبة ، وما شابه ) هي رحمة .
3) غضّ النظر عما يبدر من الناس من سلبيات وأخطاء ..... هي رحمة .
4) التستّر على عيوب الناس هو رحمة .
5) عدم إدانة الآخرين هي رحمة .
وبخصوص هذه المعاني للرحمة أذكر هذه الأقوال :
- قال الرسول بولس : إن كان وعظ ما في المسيح ، إن كانت تسلية ما للمحبة ، إن كانت شركة ما في الروح ، إن كانت أحشاء ورأفة ، فتمموا فرحي حتى تفتكروا فكراً واحداً ولكم محبة واحدة بنفس واحدة مفتكرين شيئاً واحداً ( في2: 1-2 ) .
- وكونوا لطفاء بعضكم مع بعض ، شفوقين متسامحين كما سامحكم الله أيضاً في المسيح ( أفسس4: 32 ) .
- قال الرسول بطرس : كونوا جميعاً متحدي الرأي بحسٍّ واحدٍ ذوي محبة أخوية مشفقين لطفاء ( 1بط3: 8 ) .
- قال الرسول يوحنا : وأما من كان له معيشة العالم ونظر أخاه محتاجاً وأغلق أحشاءه عنه فكيف تثبت محبة الله فيه ( 1يو3: 17 ) .
وللمسيح المجد إلى الأبد آمين .
مسيحنا الله

الأب القس ميخائيل يعقوب
كاهن كنيسة مار أسيا الحكيم في الدرباسية


هــــ : 0096352711840
موبايل : 00963988650314
إيميل هوتميل : [email protected]
إيميل ياهو : [email protected]


و فوق الصليب تصرخ الحقيقة

العودة إلى “منتدى الأب ميخائيل يعقوب”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائر واحد

cron