التسامح والتعايش الديني

خاص للأب ميخائيل يعقوب كاهن كنيسة مار آسيا في الدرباسية
الأب ميخائيل يعقوب
إداري
مشاركات: 712

التسامح والتعايش الديني

مشاركة#1 » 06 إبريل 2011 20:07

التسامح والتعايش الديني في سورية


محاضرة للأب القس ميخائيل يعقوب
ألقاها في صالة المركز الثقافي بالدرباسية
يوم الثلاثاء الساعة السادسة مساء في إطار الندوة التي حملت ذات العنوان والتي جمعت كلا من
الأب القس ميخائيل يعقوب كاهن كنيسة مار أسيا الحكيم في الدرباسية – فضلية الملا هيثم خليل إمام أحد الجوامع في الدرباسية

بسم الآب والابن والروح القدس إله واحد آمين

التعايش لغة له عدة معاني منها :
- تعيَّشَ ، أي سعى وراء أسباب العيش .
- تعايش ، أي عاش بالمودة .
- تعايشوا ، أي عاشوا مجتمعين على الألفة والمودّة . وإن كلمة اجتمعوا تفيد المعنى ( اتفقوا ) وبالتالي فإن معنى تعايشوا يُصبح : عاشوا متفقين على الألفة والمودّة .
ومن ذلك فإن التعايش بين تابعي الأديان يعني اجتماعهم بعضهم إلى جانب بعض واتفاقهم على الألفة والمحبة .
- الألفة ، تعني الصداقة والمؤانسة .
- المؤانسة ، تعني اللطف والاندماج الإنساني في قالب روحاني .
من كل ذلك إذاً . إن التسامح والتعايش الديني يعني اجتماع تابعي الأديان بحبًّ عظيم ، وصداقة خالصة ، وذوبان إنساني .
هذا . وإذ أن التعريف المسيحي للحب ( وأعتقد أنه كذلك في الإسلام ) يعني التضحية ونسيان الذات من أجل المحبوب ، فإن هذا التعريف الذي توصلنا إليه يُذكرني بالقصة الحقيقية التي ذكرها السيد المسيح له المجد ، وقد حصلت واقعياً في تلك الأيام هذا ملخصها :
رجل يهوديٌ خرج من أورشليم باتجاه أريحا ، وبينما هو في الطريق إذا بلصوص يعترضونه ويُعرّوه ويجروه ويسلبوه ويتركوه بين حيٍّ وميت وينصرفون . وحدث بينما كان يتضرج في دمائه أن كاهناً يهودياً مرّ عليه ولم يهتم به أدنى اهتمام فجاز عنه وتركه في آلامه ومضى . ثم بعد قليل يمرُّ لاويٌّ وينصرف عنه كما فعل الكاهن اليهودي . ثم بعد قليل يمر عليه رجل سامري من أهل السامرة فيراه في تلك الحالة الداعية للحب فيقوم بإسعافه الإسعافات الأولية ويحمله على دابته ويمضي به إلى فندق ، وفي اليوم الثاني توجه إلى صاحب الفندق وأعطاه دينارين وقال له : اعتني به ومهما أنفقت فحين عودتي أعطيك .
ما مناسبة هذه القصة ؟
ذهب رجل ناموسي إلى السيد المسيح له المجد وهو معتدٌّ بنفسه بأنه عالم ناموس ، ومعتدٌّ بانتمائه اليهودي إلى حدّ التعصّب ، وسأل السيد المسيح سؤالين ، أولهما ديني صرفٌ ، وثانيهما اجتماعي أرد به أن يزكّي نفسه أمام المسيح وأمام الناس بأنه يهوديٌّ معتدٌّ بيهوديته ولا يرى من الناس غير تابعي اليهودية . وفي هذا السؤال الثاني قال : من هو قريبي ؟
وفي كل ظنّه أن السيد المسيح له المجد سوف يُجيبه قائلاً بما أنك يهوديٌّ فإن قريبك حتماً هو كل إنسانٍ يهودي . ومن ثم سوف يُعلن بملء حنجرته أنه لا يحبّ إلا اليهودي من أبناء جنسه ولا يرى غيرهم من البشر .
علم السيد المسيح ما بنفسه ، وإذ أن أمثال هذا لا تنفع معه الموعظة المباشرة ولا الإرشاد أو النصيحة المباشرة لذلك ذكر له هذه القصة التي ذكرناها ، ما أدّى إلى أنه حينما سأله السيد المسيح في نهايتها : أياً من هؤلاء الثلاثة صار قريباً للذي وقع بين اللصوص ؟ أجابه على الفور إجابة عفوية قائلاً : الذي صنع معه الرحمة .
فقال له السيد المسيح له المجد : اذهب أنت أيضاً واصنع هكذا ( لو10 ) .
إننا نفهم كامل معاني هذه القصة إذا ما توقفنا عند كل من شخصياتها بعبارة قصيرة كالتالي :
- الرجل الناموسي ، كان عالم ناموس وشريعة عند اليهود .
- الرجل الذي خرج من أورشليم كان يهودياً ، وبالتحليل سنجد أنه كان غنياً بالمال ، حيث أن أريحا كانت تُعتبر عاصمة تجارية في ذلك الزمان .
- الكاهن اليهودي كان رئيس دين ذلك الرجل المضروب وبالتالي فإن تعرّف عليه لكنه لم يٍُسعفه كي لا يتعب به ولا يبذل من أجله الوقت والمال .
- اللاوي ، وهو معاون الكاهن اليهودي ، أي أنه أيضاً تعرّف على الرجل المضروب لكنه لم يُسعفه أيضاً كي لا يتعب به ولا يبذل من أجله الوقت والمال .
- الرجل السامري ، كان عدّوا لدوداً لذلك الرجل الذي ضُربَ ، وذلك لأنه كانت هناك عداوة عميقة جداً بين يهود أورشليم وأهل السامرة . وبالتالي فإن العدوّ حينما وجد عدّوه في حالة يُرثى لها فإن العداوة سقطت من نفسه وظهرت إنسانيته ، ما أدى إلى أنه تعامل مع عدّوه بحسب القيمة الإنسانية فوجده مستحقاً المحبة والرأفة والعطف والمساعدة والمعونة ، ولم يتأخر عن ذلك .
هذه القصة هي عنوان مناسب تماماً للتسامح والتعايش الديني وإلا لما وجّه السيد المسيح ذلك الرجل الناموسي باتجاه كل من كان يعتبره عدوّا ليهوديته بالقول : اذهب أنت أيضاً واصنع هكذا . وبالتالي فإننا بالتحدّث عنها سوف نجد جميع أسس وقواعد التسامح والتعايش الديني بين تابعي الأديان أذكر منها :
1) التعايش الديني هو خدمة للأهداف السامية التي يسعى إليها الإنسان ، التي تتلخّص بجملتها في بناء مجتمع قويٍّ سليمٍ لا يُخترق بدليل أن العدو أسعف عدّوه وأركبه على دابته بدلاً عن نفسه مضحية براحته وسار به إلى الفندق سيراً إنسانياً رائعاً .

2) في التسامح والتعايش الديني تحقيقٌ للمصالح البشرية العليا مثل ( الأمن والأمان والسلم وصد العدوان ..... ) فإن ذلك السامري رفع عن عدّوه آثار العدوان وأعاد إليه أمانه واطمئنانه .

3) في التسامح والتعايش الديني احترام متبادل . فإن ذلك السامري حينما زالت من نفسه العداوة وظهرت إنسانيته وجد عدوه مستحقاً الاحترام والتقدير ، فعامله بحسب ذلك وأنقذ حياته .

4) في التسامح والتعايش الديني تقارب ليس من قبيل الترف والفنتازية بل من قبيل الوجوب . وإن ما فعله السامري مع عدوه ليس من قبيل أن يُمجّده الناس وينهالون عليه بكلمات الثناء والمديح بل بدافع الواجب الإنساني ، بدليل أنه لم يبت معه في الفندق سوى ليلة واحدة وفي الصباح غادر بعد أن تركه في يدٍ أمينة .

5) في التسامح والتعايش الديني قفزٌ فوق السلبيات وبالأخص التعصّب الديني الذي يعني رفض الانتماء الآخر . وهذا ما حدث للسامري الذي قفز على مسألة التعصب ضد الانتماء الآخر الذي كان يعتبره عدواً له ، فقبله بكل الرضا والحب والقبول .

6) في التسامح والتعايش الديني ردٌّ لأي فكرة أو مقولة أو تفكيرٍ يحقر الانتماء الآخر ، فالسامري كان يحقّر اليهودي والعكس أيضاً . وإننى في هذا الخصوص أحبّ أن أوضح نقطة آنذاك ، فإن اليهود كانوا يحقرون أهل السامرة ويعتبرونهم أعداء لسببين رئيسيين :
الأول . كان أهل السامرة يعبدون على الطريقة الوثنية ( عبادة الأصنام ) بينما كان اليهود يعبدون الله بحسب التوراة .
الثاني . حينما جاء الرومان واحتلوا هذه البلاد ومنها فلسطين فإن أهل السامرة ساعدوا الرومان الوثنيين على تدنيس هيكل سليمان الذي كان لدى اليهود أقدس مراكزهم الدينية .
إذاً كان أحدهما يحقّر الثاني ، ولكن حينما ظهر السبب الحقيقي للتسامح والتعايش بينهما ألا وهو القيمة الإنسانية فإن هذا التحقير سقط مباشرة ما أدى إلى أن قام العدو بإسعاف عدّوه .

7) التسامح والتعايش الديني ضرورة لابد منها ما دام هناك من يفكر بالعنف ويمارسه ( كل أنواع وأشكال وحالات العنف الذي يتناول الانتماء الآخر ) وهذا ما تجلى واضحاً في هذه القصة ، فإن الذين ضربوا الرجل اليهودي ما كانوا ليضربوه ويمارسوا معه العنف لولا أن العنف كان عقيدة في نفوسهم ، لكن تسامح السامري أزال آثارها .

8) التسامح والتعايش الديني هو حاجة تفرض نفسها كلما ازداد عدد السكان للخروج من ساحة الاستخفاف والاستهتار التي قد تنجم لأسباب كثيرة إلى ساحة الانسجام والتناغم الاجتماعي . وهذا ما نجد له معنى أيضاً في قصتنا هذه .

9) في التسامح الديني تتجلّى عظمة الله ، فإن اللصوص سلكوا بعكس مشيئة الله ، أما الرجل السامري فإنه حققها عفوياً في المحبة والتسامح مظهراً محبة الله وعظمته .
وفي الحقيقة إن ما نجده في هذه القصة كثيرٌ ، نكتفي بما ذكرناه ونستخلص منها ضرورات التسامح والتعايش الديني وهي كثيرة أذكر منها :

الضرورة الأولى . إسقاط الحواجز مع الحفاظ على الخصوصيات . وهذا ما نجده في سورية والحمد لله ، فإن الحواجز بين أتباع الديانات قد ذُلِلَت مع محافظة أتباع كل دين على دينهم وخصوصياتهم الدينية .

الضرورة الثانية . إن كل انتماء هو حضارة ، بالإضافة إلى أن أتباع كل دين لهم انتماءات أخرى غير الدينية . وبالتالي فإن الضرورة المقصودة هنا من التسامح والتعايش الديني هي في تقاسم قيم هذه الانتماءات . وهذا ما نجده في سورية ، فإننا نجد أن معظم الناس يعتنقون عموميات سائر الانتماءات ، وأعطي بعض الأمثلة :
1) جميعنا كمسيحيين ومسلمين نحيي بعضنا الآخر بعبارات واحدة منها :
- في اللغة العربية ( السلام عليكم ) .
- في اللغة السريانية ܫܠܡܐ ܠܟܠܟܘܢ معناها السلام لكم .
- في اللغة الكردية سلاف شوَرِّه معناها السلام لكم .
2) في كلتا الديانتين المسيحية والإسلامية ( نصلي ، نصوم ، ندفع العشور ، وإن الله هو هدفنا )
3) أعراسنا متشابهة جداً ( موسيقياً ، رقصاً ) .
4) مجالس العزاء عند كل شرائحنا الشعبية تكاد تكون واحدة .
5) وإذا ما أجرينا سبراً للنتاج الفكري عند أدبائنا ستجدهم يعتنقون المسيحية والإسلام ، بل ستجدهم في قلب كل الانتماءات .

الضرورة الثالثة . يقدم لنا التسامح والتعايش الديني آداباً لائقة في التخاطب والتعامل . وهذا ما نجده في بلدنا الحبيب سوريا حيث أن لغة التخاطب والتعامل بيننا هي في درجة عالية من الروعة .

الضرورة الرابعة . التسامح والتعايش الديني يؤدي إلى ممارسة الشعائر والطقوس الدينية بحرية وراحة وأمان . وهذا ما نجده في سورية ، ولا يحتاج الأمر إلى شرحٍ .

الضرورة الخامسة . التسامح والتعايش الديني يُسقط مقولة الآخر ، فليس في التسامح والتعايش الديني من هو أول وثاني ، من يستحق المواطنة ومن لا يستحقها ، وليس هناك غريباً إذ الكل قريب للكل . وهذا ما نجده أيضاً في سورية .

الضرورة السادسة . تحقيق عولمة محبة الله في القيم الإنسانية . وهذا ما نجده في سوريا حيث يُحب بعضنا الآخر بإخلاص واستقامة في الوقت الذي كلنا نعبد الله ونحبه .

الضرورة السابعة . في التسامح والتعايش الديني يتنافس الكل في صالح الأعمال والمواقف الشريفة والفكر السليم ورقي المواقف الإنسانية ، وهذا ما نجده أيضاً فيما بيننا في سوريا .

الضرورة الثامنة . في التسامح الديني قوةٌ للدولة ومنعةْ . وهذا ما لمسناه في هذه الأيام الأخيرة ، حيث دخلت سوريا محنة خُططَ لها بمؤامرة أحيكت ضدها في المحافل الغربية والدوائر الصهيونية ، لكن التسامح والتعايش الديني أفشلها وأسقطها .

الخاتمـــــة . كثيرة هي الضرورات للتسامح والتعايش الديني ، أتوقف عند التي ذكرتها وأختتم الحديث بالقول : إن هذه الضرورات تنطلق بتعاوننا إلى ما فيه من الخير والصلاح لوطننا ومجتمعنا وللإنسانية جمعاء في سبيل السلام العالمي والأخوّة الإنسانية التي تصبو إليها روح الإنسان على الدوام وتؤكدها وتقرها كلمة الله . وأيضاً في سبيل الاشتراك في جهود علمية ثقافية تعود بالفائدة على الجميع ، وتقيم جسور التقارب الإنساني لأجل غايات ومقاصد إنسانية كثيرة غير التي ذكرناها منها ( سلامة البيئة ، مكافحة الأمراض الخطيرة لاسيما الاجتماعية منها ، رفع الغبن عمّن يرى نفسه مغبوناً لسبب أو لآخر ، إقرار وترسيخ مبادئ الحق والعدل ) .
هذا ولابد من كلمة حق وهي أن التسامح الديني في سورية للقائد الخالد حافظ الأسد دوراً رائداً فيه ، ثم جاء رئيسنا المحبوب بشار الأسد ليكمل مشوار أبيه في قيادة هذا التسامح . لذلك فإنه حقٌّ علينا جميعاً أن نصلي له بالثبات والقوة والغلبة من جهة ومن جهة ثانية أن نظل نسير خلفه في مسيرة نضال سورية ضد مشاريع الهيمنة والعدوان ، هذه المسيرة التي يبدو أنها مسيرة طويلة مادام الشر قائماً .
أخيراً . أذكر البعض القليل من الأقوال التي تبرهن على ضرورة التسامح والتعايش الديني من الكتاب المقدس ومن القرآن الكريم .
من الكتاب المقدس .
1) القصة التي ذكرناها وهي خير برهانٍ .
2) قال السيد المسيح له المجد : أحبوا أعداءكم ، أحسنوا إلى مبغضيكم ، باركوا لاعنيكم ، صلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ، من ضربك على خدّك الأيمن فاعرض له الآخر ، من أخذ رداءك فلا تمنعه ثوبك أيضاً ، وكل من سألك فاعطه ..... ( لو6: 27-29 ) .
وقد اختصر له المجد البرهان القاطع على التسامح والتعايش الديني بمقولة ذهبية وهي : فكل ما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا هكذا أنتم أيضاً بهم لأن هذا هو الناموس والأنبياء ( مت7: 12 ) .

في القرآن الكريم .
1) في سورة البقرة مكتوب : لا إكراه في الدين ( بقرة 256 ) .
2) قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ( بقرة 263 ) .
3) وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب ِ( سورة المائدة )
وشكراً لإصغائكم .
مسيحنا الله

الأب القس ميخائيل يعقوب
كاهن كنيسة مار أسيا الحكيم في الدرباسية


هــــ : 0096352711840
موبايل : 00963988650314
إيميل هوتميل : [email protected]
إيميل ياهو : [email protected]


و فوق الصليب تصرخ الحقيقة

العودة إلى “منتدى الأب ميخائيل يعقوب”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 7 زوار