عيشوا كما يحقّ لإنجيل المسيح (29)

خاص للأب ميخائيل يعقوب كاهن كنيسة مار آسيا في الدرباسية
الأب ميخائيل يعقوب
إداري
مشاركات: 712

عيشوا كما يحقّ لإنجيل المسيح (29)

مشاركة#1 » 04 ديسمبر 2011 18:21

تناول القربان المقدس


كيف نعيش كما يحقّ لإنجيل المسيح ؟
جواب هذا اليوم هو المواظبة على تناول القربان المقدّس .
في مسألة تناول القربان المقدس سوف نحصر الحديث في الأصحاح السادس من إنجيل يوحنا فنجد :

1) حينما قال اليهود للسيد المسيح له المجد : فأيّة آية تصنع لنرى ونؤمن بك ماذا تعمل ؟ آباؤنا أكلوا امن في البريّة كما هو مكتوب أنه أعطاهم خبزاً من السماء ليأكلوا . أجابهم له المجد : الحق الحق أقول لكم ليس موسى أعطاكم الخبز من السماء بل أبي يُعطيكم الخبز الحقيقي من السماء ( يو6: 32 ) .
إن اليهود بقلوبهم الغبيّة حينما رأوا من السيد المسيح معجزة إشباع الخمسة آلاف من خمس خبزات وسمكتين ( يو6: 5-13 ) قارنوها عفوياً بما هو مكتوب في التوراة عن المنّ السماوي الذي أنزله الله لذلك الشعب مدة أربعين سنة ، وكانوا يظنّون أن موسى هو الذي أنزله . لذلك فإنهم وجدوا أن معجزة السيد المسيح تافهة أمام تلك المعجزة في البرية أربعين سنة ، مع أن معجزة السيد المسيح كانت أعظم . فإذا كان المنّ السماوي ينزل بمقدار كبير جداً يكفي حاجة كل الشعب لكنه كان ينزل في كل يوم ما عدا يوم السبت ، أما معجزة السيد المسيح له المجد كانت أنه بقليل جداً من الخبز والسمك أشبع خمسة آلاف إنسان . ولذلك انطلاقاً من نظرتهم التافهة تلك فإنهم طلبوا منه معجزة أعظم من معجزة المنّ السماوي . وفي ردّه له المجد :
- كشف لهم أنه ليس موسى أعطاهم المنّ في البريّة بل أبيه السماوي .
- لم يكن المنّ هو الخبز الحقيقي بل كان رمزاً إليه .
- هوذا يقدّم لهم الخبز الحقيقي الذي لا يُقارن وهو جسده .

2) قال لهم أيضاً : لأن خبز الله هو النازل من السماء الواهب حياة للعالم ( 33 ) .
إن ذلك المنّ الذي نزل في البريّة أربعين سنة كان يمنح حياة لفئة واحدة من العالم وهم اليهود . أما الخبز الذي يتكلم عنه يسوع يهب حياة لكل من يقبله من كلّ العالم بأجناسه وأنواعه واختلاف انتماءاته .
3) قالوا له : يا سيد أعطنا في كل حين من هذا الخبز ( 34 ) .
كان اليهود يعتقدون أنه بمجيء المسيح سوف ينعمون بسلطة سياسية ومملكة يؤمّن فيها المسيح لهم كل أنواع الملذّات الزمنية . وكبرهان على ذلك أذكر ما قاله الحاخام ميمون : متى جاء المسيح يقيم الأموات ، فيجتمعون في جنّة عدن ، ويأكلون ويشربون ويصيرون في تخمة كل أيام العالم . تُبنى بيوتهم بالحجارة الكريمة ، وأسرّتهم بالحرير الناعم ، وتفيض الأنهار بالخبز والزيت المخلوط بالتوابل . سينزل المنّ عليهم له مذاقات متنوعة ، ويجد كل إسرائيلي في طبقهِ ما يلذّ له . إن اشتهى السمين وجده . يذوقه الشاب فيجده خبزاً ، والشيخ عسلاً ، والأطفال زيتاً . هكذا ستكون أيام المسيح القادمة . سيهب إسرائيل سلاماً ويجلس في جنّة عدن ..... ( تفسير إنجيل يوحنا – الأصحاح السادس – القمص تاودرس يعقوب الملطي ) .
كل هذا التصوّر كان من قبل لديهم وكانوا مصرّين عليه بالرغم من أن ربنا كان يوجههم إلى التصوّر الروحي وليس الجسدي ، وأذكر له في ذلك قوله : اعملوا لا للطعام البائد بل للطعام الباقي للحياة الأبدية الذي يعطيكم ابن الإنسان لأن هذا الله الآب قد ختمه ( يو6: 27 ) .

4) ردّ عليهم يسوع قائلاً : أنا هو خبز الحياة ، من يُقبل إليّ فلا يجوع ومن يؤمن بي فلا يعطش أبداً (35) . إنه له المجد قال لهم ذلك :
- لكي يوبخهم أنهم ساعون إلى الطعام الجسدي فقط .
- إنه الخبز الذي يعيد تكوين الإنسان بأكمله من أجل حياة أبدية .
- كي يعلمهم ويعلمنا أن المنّ السماوي لم تعد له أهمية لأن زمن العمل بناموس موسى قد انقضى وهوذا زمن العمل بشريعة المسيح التي هي شريعة النعمة .
- كل من أكل من ذلك المن كان يشبع للحياة الزمنية لذلك كان يجوع أيضاً ، وأما من يأكل من جسد المسيح فيشبع للحياة الأبدية شبعاً مستمراً .
- إنكم تطلبون خبزاً نازلاً من السماء وهوذا أمامكم .

5) تذمر اليهود عليه لأنه قال : أنا هو الخبز الذي نزل من السماء ( 41) .
- تذمّر اليهود لأنه أعلن لهم في حديثه هذا إنه أعظم من موسى وبلا حدود .
- لأنه ضمّن حديثه إشارة أن آلهتهم بطونهم كما قال الرسول بولس ( في3: 19 ) .

6) قال لهم : الحق الحق أقول لكم من يؤمن بي فله حياة أبدية (47) . قال لهم ذلك كي يعلّمهم أن من يؤمن به فإنه :
- يُجذب إلى الأعمال الخلاصية .
- مدعوّ إلى سماع تعاليمه الإلهية .
- سوف يُمنَح الخلاص .
- سوف يقتات بالخبز السماوي .
- سوف يُحفظ في الإيمان .
- سوف لا يهلك .
- سوف يتمتّع بالحياة الأبدية .

7) وتابع له المجد قائلاً : أنا هو خبز الحياة (48) آباؤكم أكلوا المنّ في البريّة وماتوا (49) .
- إن ذلك المنّ لم تكن له القدرة على حفظ أجسادهم لذلك ماتوا .
- وبالرجوع إلى تاريخهم سيتضح أن ذلك المنّ لم يحفظهم من غضب الله الذي كان يأتي عليهم بسبب انحرافاتهم الكثيرة عن إرادته الصالحة .

8) هذا هو الخبز النازل من السماء لكي يأكل منه الإنسان ولا يموت ( 50) .
يؤكد له المجد في هذا القول أن جسده مانح الحياة الأبدية التي لا يطالها الموت أبداً .

9) أنا هو الخبز الذي نزل من السماء إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد ، الخبز الذي أنا أعطي هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم (51) وفي هذه الآية نجد :
- الخبز الحقيقي هو جسد المسيح الذي ذُبِحَ على الصليب ومات وقام . وبما أن كل من اعتمد فإنه صُلِبَ ومات وقام مع المسيح ، لذلك فإنّ تناول جسد المسيح هو تثبيت لهذه المفاعيل الثلاثة .
- جسد المسيح يُعطي حياة لكل من يشترك به .

10) خاصم اليهود بعضهم بعضاً قائلين : كيف يقدر هذا أن يعطينا جسده لنأكل ( 52) .
نسي اليهود كيف أخرجهم الرب من مصر مع أن أمر خروجهم كان مستحيلاً . وكيف تحقق المستحيل بتحوّل عصا موسى إلى حيّة . وكيف تفجّر النبع من تلك الصخرة في البريّة . وكيف أن كل من كانت تلدغه حيّة وكان يتطلع إلى تلك الحية النحاسية في البرية كان السم يموت ويبطل مفعوله ويشفى الملسوع ويحيا .... نسوا كل ذلك . كان الأجدر بهم أن لا ينسوا تلك الأعمال الجبارة التي عملها لهم الله تبارك اسمه من أجل أن يكونوا مهيئين أن يعلنوا وعلى الأقل أن الله قادر أن يمنحنا جسد المسيح بطريقة ما .

11) إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم (53) .
إنه يقصد الحياة الروحية التي تؤدي إلى الحياة الأبدية . فكما أنه لابد للإنسان أن يتناول الطعام المادي لأجل استمرار حياته الزمنية ، هكذا أيضاً إن لم يواظب المؤمن على تناول القربان المقدس فإنه لن يحيا الحياة الروحية الواجبة ، وبالتالي فلن يصل إلى الحياة الأبدية .

12) من يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير ( 54) لماذا ؟ لأن :
- من يأكل جسد ودم المسيح فإنه يتناول المسيح بالذات رئيس الحياة الأبدية .
- من يأكل جسد ودم المسيح فإنه يتحد مع المسيح نفساً وجسداً ، حيث أن العصارة المعوية تنقله إلى كافة أعضاء الجسد وإلى دمه .
- من يأكل جسد ودم المسيح فإنه ينال استحقاق حياة ملكوت المسيح بدليل قوله : وأنا أقيمه في اليوم الأخير .

13) لأن جسدي مأكل حقّ ودمي مشرب حقّ (55) .
إن الطعام الحقيقي هو الطعام الذي يُشبع دون جوع ثانية ، وهذا الطعام غير متوفّر في العالم المادي بل إنه متوفر عند المسيح فقط وليس عند غيره ، لذلك دعا جسده بالمأكل الحق ودمه بالمشرب الحقّ .

14) من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيّ وأنا فيه (56) .
في هذا القول أعلن له المجد أن جسده ودمه الأقدسين هما وسيلة الثبات الوحيدة في المسيح . إنه لم يقل ذلك عن أيّ من تعاليمه الإلهية الأخرى ، لماذا ؟
لأننا وكما ذكرنا قبل قليل إننا حين تناولنا جسده ودمه الأقدسين فإننا نتناول المسيح بالذات فيدخل له المجد كل جسدنا ودمنا وعقولنا وأفكارنا .... إلخ ما يؤدي إلى ثباته فينا وثباتنا فيه .

15) كما أرسلني الآب الحي وأنا حيّ بالآب فمن يأكلني فهو يحيا بي (57) .
إنه يُشبّه علاقة الحياة في من يتناول جسده ودمه الأقدسين بعلاقة الحياة بينه وبين الآب السماوي . حيث أن حياة الآب هي حياة الابن وحياة الابن هي حياة الآب . وبما أننا قد أصبحنا بالمعمودية أبناء لله بالمسيح لذلك قد صار لنا استحقاق أن نحيا بالمسيح ، وهذه الحياة لا تتحقق بدون تناول جسده ودمه الأقدسين لأنهما طعام الحياة الروحية الحقيقية .

خلاصة الحديث :
القربان المقدس هو جسد ودم ربنا يسوع المسيح له المجد ، ذلك الجسد الذي صُلبَ على الصليب والدم الذي سُفِكَ عليه ليسحق بذلك كل قوة الشيطان . وبالتالي فإن التعريف الروحي للقربان المقدّس هو أنه الطاقة الجبّارة التي لا تُقهر التي تجعل المؤمن ثابتاً في طريق الخلاص .
هذا وإن مفاعيل القربان المقدس كثيرة أذكر منها بحسب ما حدد ربنا له المجد :
- القربان المقدس هو الغذاء الروحي الذي يُشبِعَ المؤمن فلا يجوع ولا يشتاق إلى مشيئة إبليس وهذا ما عبّر عنه ربنا له المجد بقوله : أنا هو خبز الحياة من يُقبل إليَّ فلا يجوع ومن يؤمن بي فلا يعطش أبداً ( يو6: 35 ) .
- القربان المقدس يُبعد المؤمن من الموت الأبدي بحسب تعبير رب المجد بالقول : أنا هو خبز الحياة الذي نزل من السماء ، إن أكل أحد منه يحيا إلى الأبد ، والخبز الذي أنا أعطيه هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم ( يو6: 51 ) .
- القربان المقدس وسيلة توّلِدُ في المؤمن قوة يحيا بها حياة مسيحية لائقة بين الناس وهذا ما أكّده رب المجد بالقول : إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه فليست لكم حياة فيكم ( يو6: 53) .
- القربان المقدس وسيلة رئيسة لنوال الحياة الأبدية لأن له المجد سيقيم المواظب على تناول القربان المقدس باستحقاق عن جانبه الأيمن في اليوم الأخير من الحياة الزمنية بحسب تأكيد رب المجد بقوله : من يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير ( يو6: 54 ) .
- القربان المقدس هو وسيلة الثبات في المسيح وثبات المسيح في المؤمن ، وهذا ما أكده رب المجد بالقول : من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيّ وأنا فيه ( يو6: 56 ) .
- القربان المقدس هو وسيلة الحياة في المسيح وحياة المسيح في المؤمن بحسب قوله له المجد : كما أرسلني الآب الحي وأنا حيّ بالآب فمن يأكلني يحيا بي ( يو6: 57 ) .
أخيراً . لابد من الإجابة على السؤال التالي : هي يجوز تناول القربان المقدس دون استحقاق ؟
الجــواب : كلا
قال الرسول بولس : لأن الذي يأكل ويشرب بدون استحقاق يأكل ويشرب دينونة لنفسه غير مميّز جسد الرب ( 1كو11: 29 ) . فلابد من طهارة النفس والجسد لأنهما عاملان رئيسيان للإستحقاق ، وهذان يتحققان بممارسات روحية كثيرة منها ( المحبة ، عدم البغض والكراهية ، الصوم ، الصلاة ، قراءة الإنجيل ، العفة ...... إلخ ) .
ولذلك على من يتناول بدون استحقاق أن لا يظن أنه بتناوله جسد المسيح ودمه الأقدسين سوف يحقق نعمة ما ، كلا . فإن يهوذا تناولهما دون استحقاق بطريقة شريرة فكانت النتيجة أن هلك إلى أبد الآبدين .
أحبائي . مثلما استمعتم إن ما قرأناه وما شرحناه كان من إنجيل المسيح له المجد ، لذلك فإننا إن عشناه إيماناً وممارسة فإننا نعيش كما يحقّ لإنجيل المسيح الذي له كل المجد إلى الأبد آمين .
مسيحنا الله

الأب القس ميخائيل يعقوب
كاهن كنيسة مار أسيا الحكيم في الدرباسية


هــــ : 0096352711840
موبايل : 00963988650314
إيميل هوتميل : father.michel@hotmail.com
إيميل ياهو : father_michel_jacob@yahoo.com


و فوق الصليب تصرخ الحقيقة

العودة إلى “منتدى الأب ميخائيل يعقوب”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائر واحد

cron