دراسة وشرح إنجيل متى (1)

الأب ميخائيل يعقوب
إداري
مشاركات: 712

دراسة وشرح إنجيل متى (1)

مشاركة#1 » 15 إبريل 2011 20:16

سنقوم بمشيئة الله بإجراء دراسة مبسّطة عن إنجيل متى لتكون وسيلة مساعدة لفهم هذا الإنجيل وحفظه جيداً .
وإنني أتمنى من القارئ العزيز الذي يقرأ هذه الدراسة والشرح وأن يسجل ملاحظاته واستفساراته ويرسلها إليّ . وهو يستطيع إرسالها بأكثر من طريقة على الشكل التالي :
1- عرضها في صفحة اسأل ونحن نجيب بموقع أولف .
2- عن طريق البريد الالكتروني ( بالإيميل ) وهذا هو عنواني :
father.michel@ hotmail.com

بداية نقدّم فكرة عن القديس الرسول متى .
من هو ؟
كان متى عبرانياً يتكلم السريانية واسم أبيه لاوي .
وكان عشّاراً يعمل لصالح الدولة الرومانية جابياً للعشور .
كان رجلاً متواضعاً ووديعاً وهذا ما يتضح من إبقائه في الإنجيل على صفته السيئة له قبل أن يهتدي إلى المسيحية وتلك الصفة هي ( العشّار ) .
وفي قرارة نفسه لم يكن مقتنعاً بمهنته كعشار بسبب أنها كانت من أبشع المهن كما أنها كانت محتقرة جداً ودليل ذلك أنه حينما دعاه رب المجد فإنه ترك تلك المهنة وترك أموال الجباية التي كانت على الطاولة وتبع المسيح .
كان لديه الاستعداد الحقيقي لأن يكون مؤمنا جداً بدليل أن رب المجد اختاره ليكون من تلاميذه .
كانت له المحبة في خلاص النفوس بدليل أنه كتب إنجيلاً .
وكثيرة هي صفات متى الرسول لكننا لن نستعرضها بل سنترك لها المجال أن تظهر في الأصحاحات الثمانية والعشرين التي في الإنجيل الذي كتبه ودعي باسم إنجيل متى .
كتب متى هذا الإنجيل قبل خراب الهيكل اليهودي سنة 69م ببضع سنوات لذا فإنه يسود الاعتقاد أنه كتبه سنة 65م .
وقد كتب الإنجيل وهو لا يزال في فلسطين الأمر الذي لم يشكك فيه أيّ من آباء الكنيسة الأولى مع أن بعض الباحثين يرون أنه كتبه في أنطاكيا أو فينيقية وهذا احتمال ضعيف جداً .

ملامح إنجيل متى
الملامح العامة لإنجيل متى هي هذه :
1) الموعظة على الجبل ( ص5- ص7 ) .
2) العمل الرسولي ( ص10 ) .
3) أمثال الملكوت ( ص13 ) .
4) تعاليم متنوعة ( ص18 ) .
5) أحاديث أخروية ( ص18 ) .

محتويات السفر
يتحدث الإنجيل عن يسوع الملك ، لذلك جاءت محتوياته كالتالي :

1) نسب المسيح الملك وميلاده ( ص1+2 )
كان هذا النسب معروفاً لدى اليهود ، لذلك ذكره متى ليؤكد لهم أن هذا هو المسيح الملك المنتظر . وإن هذه السلسلة قد توقفت بميلاد المسيح ، حيث لا أحد من اليهود من يستطيع أن يعرف أنسابه حتى آدم .

2) يوحنا المعمدان الملاك الذي سبق ظهور الملك ( ص3 ) .
هكذا هي عادة الملوك أن يُرسلوا أمامهم سفارة لتعلن عن قدومهم .

3) صوم المسيح والتجارب الثلاثة ( ص4 : 1-11 ) .
إنه له المجد خرج إلى البرية وصام فيها أربعين يوماً بجسد المعمودية ، وحينما جربّه الشيطان فإنه قبل التجربة بجسد المعمودية ، ولذا فإنه حينما انتصر إنما بجسد المعمودية كي يُثبت أن الشيطان أصبح ضعيفاً جداً أمامنا لأننا لابسين جسد المعمودية .

4) إعلان المسيح ملكه السماوي على الأرض ، هذا المُلْك يشفي من يقتبله من كل أمراض الخطية والموت ( ص4: 12-25 ) .

5) دستور المُلْك ، وهي الموعظة على الجبل ( ص5-7 ) وهذا الدستور ينظم العلاقات الاجتماعية للناس فيما بينهم ، كما ينظم علاقتهم مع الله كي يتهيئوا للحياة السماوية ويتمتعوا بالملكوت السماوي الخالص .

6) خدمة المسيح ( ص8- 10 ) .
في هذا القسم مارس له المجد خدمته لكل المحتاجين ، وابتدأ هذه الخدمة بالأبرص ( 8: 1-4 ) ليؤكد أنه جاء من أجل المرذولين والمنبوذين ، ذلك أن الأبرص كان حكم الشريعة عليه أنه نجس لذلك كان يُرذل ويُنبذ . ومرّت خدمته بشفاء خادم قائد المئة ( 8: 5- 13 ) ليُعلن أنه جاء ليحرر الخدم والعبيد . وبالطبع إن كل إنسان هو عبد للخطية وخادم لها ولا يمكنه التحرر إلا بالمسيح له المجد .

7) إعلان المسيح أن يوحنا المعمدان أعظم مواليد النساء لكن الأصغر في ملكوت السموات أعظم منه ( ص11: 11- ) . كي يؤكد المرتبة التي لا أسمى منها التي يصل إليها فوراً من يقتبل المسيح قبولاً خلاصياً .

8) رفضُ المسيح الملك الأرضي السياسي ( ص11: 10 – ص20 ) .
كان اليهود ينتظرون المسيح ليكون لهم ملكاً أرضياً سياسياً ، به يسيطرون على الأرض ، ويؤسسون به دولة إسرائيل التي تحكم على العالم . لكن المسيح خيّب آمالهم في هذا الطموح السبب الذي جعلهم يرفضونه .

9) دخوله الرسمي إلى أورشليم كملكٍ على طريقته وليس على الطريقة اليهودية ( ص21: 1- 17 ) وطريقته هي أن يملك على القلوب ليجعلها تتطلع إلى ملكوته السماوي وتسعى إليه ، وهذا ما تبرهن بهؤلاء الجموع الذين هتفوا له : أوصنا لابن داود .

10) أمثال القبول والرفض في ملكوته ( ص21: 28-41\ ص22: 1-13 ) بها أعلن عن طبيعة المقبولين في ملكوته وهي الطاعة ، وطبيعة غير المقبولين وهي الرفض والتمرد .

11) الدسائس من قبل الفريسيين والكتبة والصدوقيين ضد المسيح ( ص22: 15- 40 ) وكان أملهم من وراء هذه الدسائس أن يوقعوا المسيح بكلمة تجعله مذنباً أمام الله وأمام السلطة الرومانية المستعمرة .

12) الويلات للكتبة والفريسيين ولأورشليم ( ص23: 13- 39 ) بيّن فيها فظاعة وبشاعة طبيعتهم الفاسدة التي بها يؤولون إلى الخراب ويرثون العذاب الأبدي .

13) إعلانه نهاية هيكل أورشليم وتحدثه عن نهاية العالم وابتداء المرحلة الأبدية ( ص24و25 ) .

14) موت الملك وقيامته ( ص26- 28 ) . وبذلك أعلن له المجد أنه ملك بالصليب ، وبقيامته ملّك معه الملكوت لمن يقتبله مصلوباً ومائتاً وقائماً من الأموات .

أغراض إنجيل متى
كانت لمتى عدة أغراض من كتابته الإنجيل نذكر بعضها :
1) الكتابة إلى فئتين من اليهود هما :
الفئة الأولى . فئة اليهود الذين كانوا لا يزالون ينتظرون المسيا كي يأتي ويقيم لهم مملكة تسيطر على العالم . فبما أنه يهودي كان مثلهم يعتقد هذا الاعتقاد من قبل أن يهتدي . وإن المسيا قد جاء وأسس مملكته التي تسود على العالم ولكن ليس بحسب المفهوم الذي كانوا قد أنشَؤوه لأنفسهم بل بحسب مشيئته الإلهية . لقد كرر متى كلمة ( ابن داود ) ليؤكد لهم أنه المسيا الملك ابن الملك الخارج من سبط يهوذا ليملك ملكاًً سماوياً .
الفئة الثانية . فئة اليهود الذين آمنوا بالمسيح لكنهم ارتدوا لأنهم إنما كانوا قد وجدوا فيه بداية أنه هو الملك الذي كانوا ينتظرون أن يؤسس لهم مملكة تسود على الأرض لكنهم اكتشفوا أنه لم يحقق طموحاتهم تلك . فأوضح لهم متى أن المسيح قد جاء وأسس تلك المملكة ولكنها ليست على الطريقة السياسية الأرضية بل هي مملكة سماوية سوف ينقلهم إليها .
2) تضمن إنجيله جانباً دفاعياً عن المسيح له المجد حيث :
- وقف ضد التشكيكات اليهودية وأهمها التشكيك في حبل العذراء دون رجل . ومنها أيضاً التشكيك في قيامته بتقديمهم رشوة للجند الذين كانوا يحرسون القبر من أجل أن يقولوا بأن تلاميذه قد جاؤوا ليلاً وسرقوه . لهذا فإن من جملة ما وُصِف به إنجيل متى وُصِفَ بالإنجيل الدفاعي ، وهذا من الأسباب التي تعطى لكل مسيحي حق الدفاع عن دينه ومعتقداته المسيحية .
3) يحتوي انجيل متى على وضوح في المعاني ، وتوازن في اللغة ، وهذا ما جعل البعض يرى في ذلك سبباً في استخدام هذا الإنجيل استخداماً واسعاً في الأغراض الليتورجية .

سمات إنجيل متى
في إنجيل متى عدة سمات تعتبر كوسائل معينة في فهم بشارة المسيح له المجد نذكر منها :

أولاً . توضيح العلاقة الأكيدة بين العهد الجديد والعهد القديم .
إن متى أوضح كيف كانت الكنيسة في طيات نبوات العهد القديم ، تلك النبوات التي تحققت في ربنا يسوع المسيح . وقد أشار متى إلى 60 نبوة من العهد القديم . كما كرر في إنجيله كلمة الملكوت 55 مرة . وقال عن السيد المسيح أنه ابن داود 8 مرات ، معلناً بذلك أنه هو الموعود به في نبوات العهد القديم .
إنه يستعمل من التعابير ما كان مفضّلاً عند اليهود مثل :
- دعوة أورشليم بالمدينة المقدّسة ، وهذا ما نجده في ( 4: 5 ) : ثم أخذه إبليس إلى المدينة المقدّسة .... . كما نجده في ( مت27: 52-53 ) : والقبور تفتحت وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين وخرجوا من القبور ودخلوا المدينة المقدسة وظهروا لكثيرين .
- التحدّث عن أسس الأعمال الصالحة في تعليم المسيح وكانت ذاتها في الناموس وهي ( الصدقة_ الصلاة _ الصوم ) وهذا ما نجده في ( 6: 1-18 ) .
- كما يتحدث عن واجبات الكهنة في الهيكل وهذا نجده في ( مت12: 5 ) : أو ما قرأتم في التوراة أن الكهنة في السبت يدنسون الهيكل وهم أبرياء ؟
- يتحدث أيضاً عن ضريبة الهيكل في ( 17: 24-27 ) : ولما جاء إلى كفرناحوم تقدم الذين يأخذون الدرهمين إلى بطرس وقالوا : أما يوفي معلمكم الدرهمين ؟ قال بلى . فلما دخل البيت سبقه يسوع قائلاً : ماذا تظن يا سمعان ، ممن يأخذ ملوك الأرض الجزية أمن بنيهم أم من الأجانب ؟ قال له بطرس من الأجانب ، قال له يسوع فإذاً البنون أحرار ، ولكن لئلا نعثرهم اذهب إلى البحر والق صنارة والسمكة التي تطلع أولاً خذها ومتى فتحت فاها تجد إستاراً فخذه وأعطهم عنّي وعنك .
- تحدث عن غسل الأيدي وطريقة التطهير من الدم ( 27: 24 ) : ولما رأى بيلاطس أنه لا ينفع شيئاً بل بالحري يحدث شغب أخذ ماء وغسل يديه قدام الجميع قائلاً إني بريء من دم هذا البار . ..... وإلخ من التعابير التي جعلت الكثير من الدارسين أن يخلصوا إلى الرأي بأن إنجيل متى هو بمثابة دراسة حاخامية مسيحية تكشف عن السيد المسيح الذي كان مخفياً في العهد القديم .
ثانياً . مصارحة متى لليهود بأخطائهم
لم يتجاهل متى مصارحة اليهود بأخطائهم التي أُعلنت بلسان السيد المسيح له المجد . لابل كان جريئاً جداً في هذه المصارحة ، ونأخذ أمثلة :
- لم يتأخر السيد المسيح عن إعلان إيمان قائد المئة الوثني بأنه أفضل من إيمان جميع إسرائيل الذين كانوا عارفين الله بالقول : لم أجد ولا في إسرائيل إيماناً بمقدار هذا ، وأقول لكم إن كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب ويتكئون مع ابراهيم واسحق ويعقوب في ملكوت السموات وأما بنو الملكوت فيطرحون إلى الظلمة الخارجية هناك يكون البكاء وصرير الأسنان (8: 10-12) .
- وذكره أيضاً لإعلان المسيح عن قسوة رؤساء الكهنة والكتبة بالقول : ها نحن صاعدون إلى أورشليم وابن الإنسان يُسلّم إلى رؤساء الكهنة والكتبة فيحكمون عليه بالموت ، ويسلمونه إلى الأمم لكي يهزؤوا به ويجلدوه ويصلبوه ( 20: 18-19 ) .
- وإعلانه حكم السيد المسيح بنزع الملكوت عن بني إسرائيل بالقول : لذلك أقول لكم إن ملكوت الله يُنزع منكم ويُعطى لأمة أخرى تعمل أثماره ( 21: 43 ) .
- إعلانه انتقاد يسوع لهم بأنهم مفسّرين حرفيين للسبت إلى درجة أنهم كانوا يمتنعون عن عمل الخير فيه وذلك من خلال قصتين :
الأولى . حينما انتقد الفريسون المسيح بأن تلاميذه يفركون السنابل في يوم السبت ويأكلونه فأجابهم يسوع موبخاً إياهم على تفسيرهم الحرفي وفي نهاية التوبيخ قال لهم : إني أريد رحمة لا ذبيحة فإن ابن الإنسان هو رب السبت أيضاً ( 12: 1- 8 ) .
الثانية . حينما سألوه هل يحل الإبراء في السبوت لكي يشتكوا عليه ؟ فرد عليهم يسوع : يحلّ فعل الخير في السبوت ( 12: 9-13 ) .
- أعلن متى اهتمام اليهود بالمظهر الخارجي للعبادة . وأعطي بعض الأمثلة ، قال له المجد : فمتى صنعت صدقة فلا تصوّت بالبوق قدامك كما يفعل المراؤون في المجامع وفي الأزقة لكي يُمجّدوا من الناس ( 6: 2 ) . وقال أيضاً : ومتى صليت فلا تكن كالمرائين فإنهم يحبون أن يصلوا قائمين في المجامع وفي زوايا الشوارع لكي يظهروا للناس ( 6: 5 ) كما قال أيضاً : ومتى صمتم فلا تكونوا عابسين كالمرائين فإنهم يغيرون وجوههم لكي يظهروا للناس صائمين ( 6: 16 ) .
- أعلن انحرافهم لبعض التقليدات التي ألغت بعض الوصايا منها الوصية التي تقول أكرم أباك وأمك ..... إذ قال لهم يسوع فقد أبطلتم وصية الله بسبب تقليدكم ( 15: 6 ) .
- أعلن رياء الفريسيين الشديد بفم السيد المسيح ، وهذا ما نجده في الأصحاح 23 الذي هو أصحاح الويلات على الفريسيين .

ثالثاً . عدم إهمال متى للقارئ الأممي
مع أن إنجيل متى حمل طابع التوجه إلى القارئ اليهودي إلا أنه لم يغفل عن القارئ الأممي أيضاً إذ يشرح له بعض المفردات التي هو بحاجة إلى فهمها بينما اليهودي لا يحتاج إلى ذلك لأنها كانت متداولة عنده ونأخذ بعض الأمثلة :
- شرح للقارئ الأممي معنى كلمة عمانوئيل بأنها كلمة تعني الله معنا ( 1: 23 ) كما شرح أيضاً معنى جلجثة بأنه جمجمة ( 27: 23 ) .
- وشرح له أيضاً بعض الأماكن الجغرافية مثل كفرناحوم التي تقع عند تخوم زبولون ونفتالين ( 4: 13 )
- وشرح المعتقدات التي كانت معروفة لدى اليهود ولكنها لم كم معروفة عند القارئ الأممي مثل معتقد الصدوقيين بعدم الإيمان بوجود قيامة ( 22: 23) .
- أيضاً عادات اعتادوا عليها من قبل السلطة الرومانية مثل عادة إطلاق الوالي الروماني أسيراً لهم في المناسبات يخيّرهم عليه فيختارونه إن أرادوا فيُطلقه لهم ، وهذا ما حدث حينما أخذوا السيد المسيح له المجد إلى بيلاطس ولم يجد فيه علّة للحكم عليه بالموت فأراد أن يخلّي سراحه فخيّرهم فيمن يُطلق لهم باراباس المجرم الخطير أم المسيح فاختاروا أن يُطلق لهم باراباس ويصلب المسيح ( مت27: 15-22 ) .

رابعاً . الاهتمام بالشؤون اليهودية
حينما اهتم الرسول متى بالشؤون اليهودية لم يكن اهتمامه أن يُعلن أن المسيح يوجّه إلى الالتجاء إلى النبوات فقط بل إلى أمور أخرى وهي من خصوصيات اليهود منها :
- الالتزام بالوصايا الناموسية أيضاً لأنه من دونها لا يوجد دين ، ولذلك فإنه ذكر ما قاله السيد المسيح له المجد عن الوصايا : لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ، ما جئت لأنقض بل لأكمِّل ، فإني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل ، فمن نقض إحدى هذه الوصايا الصغرى وعلّم الناس ، هكذا يُدعى أصغر في ملكوت السموات . وأما من عمل وعلّم فهذا يُدعى عظيماً في ملكوت السموات ( مت 5: 17-19 ) .
- ذكر تأكيد المسيح بأن الكتبة والفريسيين قد جلسوا على كرسي موسى الذي كان ولا تزال له المكانة الأولى عند اليهود بالقول : على كرسي موسى جلس الكتبة والفريسيون ( مت23: 2 ) لكنهم يُعلّمون ولا يفعلون ( 23: 3 ) .
- أكّد لهم أن المسيح جاء إليهم أولاً ، وذلك بذكره قصة المرأة الكنعانية الغريبة الجنس التي في سياق قصتها قال السيد المسيح : لم أُرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة ( مت15: 24 ) .
- كما يُرجع متى نسب المسيح له المجد إلى إبراهيم الذي كانوا يعتبروه أباً لهم جميعاً ، وإنه ابن داود الذي كانوا ينتظرونه بأنه سيدخل المدينة المقدسة دخول ملك منتصر ، لذلك ذكر لهم في أول الإنجيل النسب الذي كان معروفاً عندهم وإن منه سوف يظهر المسيح مقسّما ذلك النسب إلى ثلاثة أقسام كلٌ منها أربعة عشر جيلاً بحسب الطريقة الحاخامية في التقسيم ( مت1: 1-17 ) .
ومن ثم انطلق الإنجيلي متى بعد أن أكّد لهم أن المسيح هو ذلك الذي كانوا ينتظرونه إلى أن يُظهر لليهود الرسالة الجامعية وهي ظهور إسرائيل الجديد الذي يتسع لكل من يُقبل إلى المسيح من البشر لأنه لا يقف عند حدود ضيقة . ولذلك نجده قام بما يلي :
- ذكر في نسب المسيح بعض الأسماء الغريبة عن اليهود وهنّ نساء أمميات دخلن في نسب المسيح مثل ( راحاب التي ولدت بوعز – راجع مت1: 5 ) .
- وذكر لهم أن المسيح حينما كان طفلاً رضي أن يُؤخذ إلى مصر حينما قرر هيرودس التخلص منه ، وإن المصريين كانوا غرباء عن الجنس اليهودي ( مت 2: 13-15 ) .
- وحينما كان له المجد يلتقي مع بعض الأمميين والأمميات الذين كان إيمانهم عالياً فإنه كان يمتدحهم مثلما حصل للمرأة الكنعانية التي قال لها : يا امرأة عظيم إيمانك ليكن لك كما تريدين ( مت15: 28 ) .
- وذكر لهم ما قاله رب المجد في مثل الكرم والكرامين بأن الكرم سوف يٍُسلّم إلى كرامين من الآخرين غير اليهود بالقول : لذلك أقول لكم إن ملكوت الله يُنزع منكم ويُعطى لأمة تعمل أثماره ( مت21: 43 ) .
- كما ذكر لهم أن ربنا له المجد أرسل رسله إلى كل العالم ( يهوداً وأمماً ) بالقول : اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر ( مت28: 19-20 ) .

خامساً . الجانب اللاهوتي في إنجيل متى
يُدعى إنجيل متى بإنجيل الملكوت . ويستعمل متى مصطلح ( ملكوت السموات ) لأنه وجه إنجيله أولاً إلى اليهود الذين آمنوا وكان مصطلح ملكوت السموات في أذهانهم بسبب حديث الرابيين اليهود عنه بهذا المصطلح . ولهذا الملكوت مرحلتان ، الأولى هي المرحلة الزمنية على الأرض التي ابتدأت بمجيء ربنا يسوع المسيح ، والثانية هي المرحلة الأبدية التي ستبدأ بالمجيء الثاني للمسيح للدينونة وانقضاء الدهر .

المرحلة الأولى . المرحلة الزمنية
1) من ذلك الزمان ابتدأ يسوع يكرز ويقول توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السموات (4: 17 ) وهو يقصد بملكوت السموات بشارته . ومن قبله قال يوحنا أيضاً : توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السموات ( 3: 2 ) .
2) وفيما أنتم ذاهبون اكرزوا قائلين إنه قد اقترب منكم ملكوت السموات ( 10: 7 ) .
3) عن يوحنا المعمدان : لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان لكن الأصغر في ملكوت السموات أعظم منه ( 11: 11 )
4) كل كاتب متعلّم في ملكوت السموات يُشبه رب بيتٍ يُخرج من كنزه جدداً وعتقاء ( 13: 52 ) .
5) يُشبه ملكوت السموات إنساناً زرع زرعاً جيداً في حقله ( 13: 24 ) .

المرحلة الثانية . المرحلة الأبدية
1) ليس كل من يقول لي يا رب يا رب يدخل ملكوت السموات بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السموات ( 7: 21 ) .
2) وأقول لكم إن كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب ويتكئون مع ابراهيم واسحق ويعقوب في ملكوت السموات ( 8: 11 ) .
3) الحق أقول لكم إن من القيام ههنا قوماً لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الانسان آتياً في ملكوته ( 16: 28 ) وكان يقصد يوم التجلي الذي تجلى بهيئته الإلهية التي سيظهر بها يوم انقضاء الدهر وابتداء ملكوته الأبدي .
4) تعالوا إلي يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعدّ لكم منذ تأسيس العالم ( 25: 34 ) وهو يقصد ملكوته الأبدي المعدّ للمستحقين .
كما أن متى يُعلن أن ربّ الملكوت هو المسيح له المجد الذي كان العهد القديم يسميه ( المسيّا ) المخلّص ، الذي أعلن الإنجيل سلطانه الملوكي ، وأن به تحقق المكتوب وتحققت المواعيد الإلهية .

سادساً . الجانب الكنسي في إنجيل متى .
بما أن إنجيل متى يُدعى إنجيل الملكوت فبديهي أن يُدعى أيضاً إنجيل الكنيسة بكونها المرحلة الزمنية لملكوت الله وسرّه فيها .
وفي الحقيقة إن من يتأمل في إنجيل متى جيداً سيجده يتفرّد تقريباً بذكر تعاليم خاصة عن الكنيسة قالها رب المجد يسوع قولاً صريحاً واضحاً . وها أنا أعطي بعض الأمثلة :
1) ذكر المحاورة التي جرت بين السيد المسيح والرسل التي ابتدأها رب المجد بالقول : من يقول الناس إني أنا ابن الإنسان ؟ ثم أعلن فيها يسوع طبيعة كنيسته بقوله لبطرس قاصداً إيمانه الذي استجلب لها إعلاناً من السماء لم يتمّ لغيره : أنت الصخرة وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها ( 16: 18 ) .
2) وذكر حديثاً للسيد المسيح عن سلطان الكنيسة قال فيه : ...... وإن لم يسمع منهم فقل للكنيسة ، وإن لم يسمع من الكنيسة فليكن عندك كالوثني والعشار . الحق أقول لكم كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطاً في السماء ، وكل ما تحلونه على الأرض يكون محلولاً في السماء ( 18: 17-18 ) .
3) ومنذ بداية الإنجيل يُشير إلى أن الكنيسة هي حضور الله في وسط شعبه ، وذلك بلسان الملاك ليوسف خطيب العذراء : ويدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا ( 1: 23 ) .
4) في هذا الإنجيل يقدّم لنا السيد المسيح صورة مبَّسطة للكنيسة بقوله : حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فأنا أكون في وسطهم ( 18: 20 ) .
5) أكّد السيد المسيح في هذا الإنجيل أن كنيسته هي شخصه المنظور في وسط العالم وأن كرامتها هي كرامته بقوله : من يقبلكم يقبلني ( 10: 40 ) وقوله أيضاً : من قبل ولداً واحداً مثل هذا باسمي فقد قبلني (18: 5) .
6) ضعفاء كنيسته محسوبين على شخصه . وهذا ما أكدّه في حديثه عن اليوم الأخير حينما سيقول للذين عن يمينه : بما أنكم فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الأصاغر فبي فعلتموه . وأما الذين عن اليسار فسيقول لهم : بما أنكم لم تفعلوه بأحد أخوتي هؤلاء الأصاغر فبي لم تفعلوا ( 25: 40و45 ) .
7) أكّد السيد المسيح في هذا الإنجيل أنه حاضرٌ مع كنيسته دائماً وما على كنيسته إلا أن تستثمر هذا الحضور بالصلاة . وهذا ما أكّده في تلك الصورة حينما كان نائماً في السفينة وهبت الرياح وضجّ البحر وهاجت الأمواج التي في مجملها هي رمز لهذا العالم الصاخب الرافض لسفينة الكنيسة فهرع إليه الرسل وهم يصرخون : نجنا يا رب إننا نهلك ، فقام وانتهر الرياح فصار هدوء عظيم ( 8: 26 ) .
8) يدعو السيد المسيح في هذا الإنجيل كل الناس على اختلاف انتماءاتهم ليكونوا أعضاء في كنيسته إذ قال لقادة الكنيسة عبر الأجيال : اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس وعلموهم جميع ما أوصيتكم به وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر ( 28: 19-20 ) معلنا بذلك أن كنيسته ممتدة في الزمان حتى انقضاء الدهر ، ومن حيث المكان إلى كل الأرض لتضم في عضويتها من كل الأمم والقبائل والشعوب .

سابعاً . الآخرة في إنجيل متى
مثلما تحدث إنجيل متى عن الكنيسة والملكوت جيداً ها هو يبيّن النهاية المحتومة بالج.يء الثاني للمسيح أيضاً ألا وهي الآخرة . وإن الآخرة ابتداءً من المجيء الثاني للمسيح سيكون لها اتجاهان ، أحدهما إلى الحياة الأبدية ، والثاني إلى العذاب الأبدي ( 25: 46 ) كما بيّن إنجيل متى ضرورة السهر إذاً كي لا يكون الاتجاه إلى العذاب الأبدي ( مت24 ) .

ثامناً . ماذا عن الأرقام في إنجيل متى ؟
للأرقام في إنجيل متى معاني ودلالات وإشارات إلى الكثير من المسائل والمعتقدات لا مجال لذكرها الآن ، بل سنذكرها في حينها حينما سنشرح أصحاحات الإنجيل بمشيئة الله .

وللمسيح المجد إلى الأبد آمين
مسيحنا الله

الأب القس ميخائيل يعقوب
كاهن كنيسة مار أسيا الحكيم في الدرباسية


هــــ : 0096352711840
موبايل : 00963988650314
إيميل هوتميل : father.michel@hotmail.com
إيميل ياهو : father_michel_jacob@yahoo.com


و فوق الصليب تصرخ الحقيقة

العودة إلى “منتدى الكتاب المقدس”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائر واحد

cron