أبو رائطة التكريتي

تاريخ - تراث - شخصيات
أوكين
مشرف
مشاركات: 191

أبو رائطة التكريتي

مشاركة#1 » 17 مايو 2010 13:07

أبو رائطة التكريتي - بقلم: بروفيسور حسيب شحادة


أبو رائطة التكريتي
بروفيسور حسيب شحادة
جامعة هلسنكي

إنه حبيب بن خدمة/حديثة/حديبة؟ المعروف بأبي رائطة (بار رائيطا) التكريتي اليعقوبي السرياني، ملفونو، معلم لاهوتي أرثوذكسي وفيلسوف (ت. حوالي ٨٣٥م.) ومترجم مشهور، وترى الكنائس الشرقية، لا سيما القبطية، أنه كان مطرانا. وقد وصفه ديونوسيوس التلمحري بأنه “متبسّط في علم المنطق والفلسفة”. كان أبو رائطة من أوائل كتاب العربية عن الإيمان المسيحي ومع هذا لا نعرف عن حياته وشخصيته إلا القليل جدا. نقول عن الإيمان المسيحي لأن بوادر التراث العربي الذي أنتجه عرب مسيحيون تعود إلى أواخر القرن السادس وأوائل السابع، عدي بن زيد (ت. ٥٨٧) وقسّ بن سعد الإيادي (ت. ٦٠٠). وكان المستشرق الألماني جورج غراف (George Graf)، ذو الأيادي البيضاء في خدمة التراث العربي المسيحي، قد نشر أعمال أبي رائطة عام ١٩٥١ وترجمها للألمانية. أخذ أبو رائطة على عاتقه الإجابة والرد على أسئلة أثارها المسلمون حول طبيعة الديانة المسيحية في نصوص عديدة شاع بعضها. وهو الذي قام بنقل قرابة ثمانين آية أو شاهدا من العهد القديم إلى العربية لاستخدامها في هذه الأغراض اللاهوتية الدفاعية.

أكثرية سكان العراق في عهد أبي رائطة كانت مسيحية وكانت صاحبة العِلم في الطب والفلسفة والترجمة وأقلية مسلمة كانت صاحبة السلطة. ولقد هدفت كتاباته، رسائله الإحدى عشرة وخمس منها رد على الإسلام والباقية رد على الملكيين، إلى زرع بذور الثقة لدى إخوته في العقيدة اليعاقبة بأن ايمانهم وتقاليدهم مبنية على أرضية صلبة، الإيمان الصحيح وذلك عبر الأدلة من الكتاب المقدس من ناحية وعن طريق التفكير المنطقي من أخرى. وفضّل أبو رائطة استخدام التفكير العقلي المنطقي الذي برّز فيه لدحض ادعاءات المسلمين بأن الكتاب المقدس الذي بأيدي اليهود والمسيحيين قد حرّف. ومن ردوده التي ما زالت تتكرر في أيامنا ما ورد في رسالته “الثالوث المقدس” حيث يقول ما ملخّصه كيف من الممكن أن تكون نسخة أعدائنا اليهود للكتاب المقدس مماثلة للتي في أيدينا في كل بقعة من بقاع العالم؟ ومن الآيات التي يُدرجها أبو رائطة برهانا على الثالوث المقدس ما يلي: سفر التكوين ١: ٢، ١٩: ٢٤؛ سفر الخروج ٣٤: ٥، ٦؛ المزامير ٤: ٨، ، ٣٣: ٦، ٥٦: ١٠، ٦٨: ٢، ١٠٧: ٢٠؛ دانيال ٧: ٩-١٠، ١٣-١٤؛ زكريا ٦: ١٢؛ حبقوق ٣: ٤؛ ميخا ١: ٣. ويبدو أن الترجمة العربية للكتاب المقدس اعتمدت على الترجمة السريانية القديمة، البشيطتا أي البسيطة وهي النص الرسمي السرياني للتوراة لدى كنيسة الشرق ويعود تاريخها إلى القرن الثاني للميلاد. وفي تفسيره لسرّ الثالوث والعلاقة بين الآب والابن والروح القدس يقول “إنما وصفنا أنه متّفق في الجوهر، مفارق في الأقاينم، بمنزلة أضواء ثلاثة في بيت واحد” (ينظر مثلا في رسالة يوحنا الأولى ٥: ٧).

على ضوء مؤلفات أبي رائطة يمكن تجميع بعض الملامح في شخصيته مثل سعة علمه في اللاهوت والمنطق والفلسفة الأرسطوطالية والإسلام من ناحية وتواضعه اللافت للنظر من أخرى. ففي بداية رسالته في “الثالوث المقدس” يذكر عجزه عن بحث موضوع التثليث والتوحيد الشائك جدا. أضف إلى ذلك، نعلم أيضا أنه تجادل عن طريق ابن أخيه مع ثيودرس أبي قرّة أسقف حرّان بشأن الاختلاف بين السريان والملكية وكان ذلك بدعوة من الأمير الأرمني أشوط سنباط مساكر (ت. ٨٢٦م.) في أرمينيا. ونعلم أيضا عن سجنه في العراق ولكن دون معرفة سبب ذلك.

عاش أبو رائطة في فترة هامة تبلورت فيها المصطلحات اللاهوتية والفلسفية في اللغة العربية مثل: أبويّة، انبثاق، بعديّة، جنس، جوهرية، علّة، قبْلية، كوْن، ماهية، هيولي (لاحظ اللاحقة يّة للتعبير عن معان مجردة وقابلها قي عبرية القرون الوسطى بتأثير العربية اللاحقة וּת وتأتي معظم هذه الألفاظ مذكرة)، وفي بداية القرن التاسع للميلاد كانت العربية لغة رسمية في الإمبراطورية العربية وفي الفترة ذاتها ظهرت بدايات الترجمة العربية المنتظمة للكتاب المقدس. ومن المعروف أن الخليفة عبد الملك بن مروان (٦٨٥-٧٠٥م.) كان قد عرّب لغة الدواوين، لا سيما ديوان الخراج، وعرّب العملة عام ٦٩٤ وقام بتنظيم شؤون البريد. ودار جدال واسع في الأوساط البحثية حول موضوع بوادر الترجمة العربية لأجزاء معينة من الكتاب المقدس ومدى انتشارها. على ضوء ما لدينا من أدلة يمكن القول إنه ليس من المحتمل أن تكون هناك ترجمات عربية ذات شأن قبل ظهور الإسلام. ما وجد قبل الإسلام عبارة عن بعض النقوش العربية المقدسة. إن أقدم الترجمات العربية لنصوص من الكتاب المقدس هي تلك الموجودة في مخطوطات ديري مار سابا والقديسة كاترينا ويمكن تأريخها إلى مستهل القرن التاسع للميلاد. في هذه الفترة ترجمت بعض النصوص من العهد القديم للعربية مثل مزمور ٧٩ أما العهد الجديد برمته تقريبا كان مترجما للعربية وذلك لأغراض ليتورجية ودفاعية تبريرية.

في عصر أبي رائطة واجه المسيحيون هجوما وتحدياتٍ شنّها وأثارها مفكرون مسلمون حول مفاهيم مسيحية جوهرية: التوحيد والتثليث؛ التجسد؛ الفداء؛ الصلب والقيامة؛ التنزيل والوحي، الطبيعتان، اللاهوت والناسوت وهما سببا انقسام الكنيسة عام ٤٥١، والاتحاد. وقد تكون إضافة “إله واحد” في الابتهال “باسم الآب والابن والروح القدس، إله واحد، آمين” ردا لدرء الشرك في وحدانية الله، هذه الإضافة لا وجود لها مثلا في اللغات الأوروبية. ما وصلنا من مؤلفات لأبي رائطة هو إحدى عشرة رسالة أو مقالة قصيرة، خمس ترد على الإسلام وست ردّ على المسيحيين الملكيين. ومن سمات منهاجه في الجدال والحوار الديني المثمر توفر شروط معينة منها العلم والمحبة والمعرفة والاحترام المتبادل والإنصاف. وهو الذي قال “فنحن وأنتم في الكلام سواء” وكان هدفه في الحوار هذا التعرف على الآخر وإيجاد لغة مشتركة مع المسلمين. وفي مقالته في التوحيد والتثليث خاطب المسلمين قائلا: “...مع أننا، وإن كنا وافقناكم في مقالتكم بأن الله واحد، فما أبعد ما بين القولين، فيما تظنون ونصفُ! والشاهد على ما ذكرتُ: مخالفة صفتكم لوحدانيته صفتنا إياه”.

وفي مقالة له، عشرة أسطر فقط، برهن أبو رائطة فيها صحة المسيحية (مخطوط سباط ١٠١٧ بحلب، نسخ في القرن الخامس عشر):
١) “لا تخلو النصرانية من أن تكون: إمّا حقا، إما باطلا
٢) والذين قبلوها من أن يكونوا: إمّا عقلاء وإما جهلاء.
٣) والعقلاء لا يقبلون ما لا يصحّ بالقياس المعقول إلا بالقهر؛
٤) والجهّال لا يمتنعون من الانهماك في اللذات الدنيوية، إلا بالقهر.
٥) والقهر قهران: إما قهر بالسيف وإما قهر من الله بالآيات.
٦) ولم نر العقلاء ممن قبِل دين النصرانية قُهر بالسيف فيقبلون ما لا يصحّ بالقياس المعقول؛
٧) ولا الجهّال قُهروا بالسيف فيمتنعون من الانهماك في لذات الدنيا،
٨) وقد قبلها العقلاء بما لا يصحّ بالقياس المعقول؛
٩) وقبلها الجهال وهي تصدّ عن الانهماك في لذات الدنيا.
١٠) فقد قُهر الجميعُ بالآيات لا بالسيف.
١١) والآيات أدلّ دليل على أن الدين الذي تكون فيه هو الدين الصحيح عند الله، عزّ وجلّ”.
والشريعة المسحية تطابق هذه المقدّمات
جوهر الفكرة هنا، الإيمان بما قد يكون غير معقول والتمسك بالفضيلة قولا وفعلا وينظر رومية ١: ١٤.




مراجع مختارة

أبو رائطة التكريتي ورسالته في الثالوث المقدس، دراسة ونص بقلم الأب سليم دكاش اليسوعي. حلب ١٩٩٦.
الخوري، بولس، مواد لدراسة المجادلة المسيحية الإسلامية في العصر الوسيط: الكلمة المتجسّدة عند المسيحيين. المكتبة البوليسية، جونيه ـ لبنان، طبعة أولى، 2004
جزء أول: 428 صفحة وجزء ثانٍ: 372 صفحة.
دكاش، سليم، أبو رائطة التكريتي ورسالته في الثالوث المقدس.دار المشرق ١٩٩٦
قنواتي، جورج، المسيحية والحضارة العربية. دار الثقافة ١٩٩٢

Bibliographie du dialogue islamo-chrétien, dir. Caspar, Islamochristiana, Pontificio Istituto di Studi Arabi e d’Islamistica, Roma.
http://alkindi.ideo-cairo.org/controlle ... 78&lang=ar
Georg Graf, Die Schriften des Jacobiten Ḥabib Ibn Ḥidmah Abū Ra'iṭa, coll. (Corpus Scriptorum Christianorum Orientalium ). Louvain 1951

نقلاً عن دنيا الرأي http://pulpit.alwatanvoice.com/content-198170.html

كبرئيل السرياني
مشاركات: 725
اتصال:

Re: أبو رائطة التكريتي

مشاركة#2 » 17 مايو 2010 14:12

تودي ساغي أحونو اوجين على إضافة هذا الموضوع وأهلاً وسهلاً بعودتك مجدداً

محبتي

كبرئيل

العودة إلى “تاريخ وحضارة أبناء اللغة السريانية”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائر واحد