جدلية النص والموروث في الأدب السرياني

تاريخ - تراث - شخصيات
أوكين
مشرف
مشاركات: 191

جدلية النص والموروث في الأدب السرياني

مشاركة#1 » 18 مايو 2010 19:26

جدلية النص والموروث - (قصة النبض الأبدي للقاص هيثم بهنام بردى أنموذجاً) *

كتابات - عباس خلف علي

إذا تفحصنا على مدى عقود منصرمة الأدب السرياني المكتوب بالعربية، فأننا لم نفاجأ بحضوره القائم من ثنائية–البيئة والهوية- ومن خلالهما نجد الكثير من النصوص التي واجهتنا تأخذ هذا المنحى أو هذا الاتجاه كمصدر أساسي وحقيقي في تشكلات النص، وهي لا تختلف كثيراً عن النص العربي، وأعتقد أن ذلك يعد من الأمور المسلّمة التي يتعرض لها الأديب في ظل أوضاع اجتماعية ونفسية وسياسية، تحدد أفق الميول وتُفَّعِل رؤية الإلهام على حد وصف غولدمان، وإذا أردنا أن نجد فلسفة حقيقية للأدب السرياني التي تؤسس قوانينها الذاتية على فكرة الأسطورة أو الخرافة أو ما شابه ذلك فمن الحق والإنصاف أن لا ننكر تبرير المضمون النصي إن ينشغل في هذا المكون الذي يعد ملتقى للتنافذ الفكري والأدبي والمعرفي، والمتطلع على الأدب السرياني يجد الكثير من النماذج المهيئة أصلاً لمثل هذا التداول ومحفز للخلق الفني والإبداع: مثل سيرة حياة الجاثليق أبا، وقصة احيقار فتذكرنا حِكَمُه لأبن أخته نادان، الذي اتهم فيما بعد بخيانة الملك اسرحدون، التي اعتبرها الباحث نزار الديراني من الملاحم التي يمكن أن تضاف إلى كلكامش وغيرها من الأمثلة المتعددة والمتنوعة، صحيح أن هناك فارق في التدوين كالتي تؤرخ المدن والأحداث والملوك وما أصابها من ضرر وتلف مثلما تعرض الإرث الثقافي الآرامي الذي دون اضطهاد (نيرون) عام 64 م الذي أصدر مراسيمه بحرق الكنائس والكتب الدينية، فنجد أن الكتابات السومرية والأكدية والآشورية كانت تكتب على قطع مفخورة، والثقافة الآرامية تكتب على ورق البردي وجلود المعز كما أشار إلى ذلك طه باقر.



خلاصة هذه المقدمة نريد أن نقول أن الأدب السرياني يمتلك خزيناً يعد بالمقابل ثروة فكرية وإنسانية، متى ما غرف منها المبدع لا يستطيع أن يقبض على ما هيتها وجوهرها الحقيقي ولكن لم يعبر عنه إلا نادراً وخصوصاً في عقود ما بين الحربين بقى يجسد مراحل النص العراقي كما أشار إلى ذلك سركون بولص في مقابلة أجراها معه القاص عدنان حسين أحمد ونشر في موقع (الحوار المتمدن) قبل وفاته.



وهذه الحقيقة نستطيع أن نلمسها في قصص يوسف متي التي جمعها الناقد سليم السامرائي، وأدمون صبري ويوسف يعقوب حداد، وحتى نرى آخرها في الأجيال التي أعقبت مرحلة الخمسينات مثل سعدي المالح في مجموعته (الظل الآخر لإنسان آخر) الصادرة 1971 وفاضل نوري في مجموعته (السعادة السوداء) الصادرة 1974 وكذلك الأجيال الأخرى التي ظهرت بشكل متفرق مثل عادل دنو، ومرشد كرمو، وبطرس هرمز، وجوزيف حنا يشوع وغيرهم.



ونستطيع هنا أن نتحدث عن بعض النصوص التي تمثلت لمنطق الحدث والذات ونقائض الوجود كما في قصة –سخرية الموت- ليوسف متي التي تتحدث عن بطل مأزوم إلى درجة أراد أن يزهق فيها روح طفله المريض ليجده أخيراً جثة هامدة.. وفي هذا السياق نذكر قصة أدمون صبري التي تضمنتها مجموعة –كاتب وراده- وهي تحمل نفس العنوان تتحدث عن موظف يعاني ضياع آماله بين إيجاد بيت لائق للسكن وهموم الوظيفة التي أصهر فيها كل سنوات عمره حتى أوشك على التقاعد من دون جدوى.. حيث تبقى كتب الواردة تزهق أحلامه على تحقيق ما يصبو إليه.



وهكذا نجد النص القصصي السرياني إذا صحت التسمية مندمج تماماً بحقب النص العراقي وضمن إنتاجه وانتقالاته في الرؤية واستبدال العلاقات بمفاهيم جديدة قائمة على محفزات ذهنية تعكس الأسطورة والحكاية والسيرة وتفسيرها كأنماط لها قيمة في مضاهاة الواقع نحو التصور والاحتمال والتوقع كما نرى ذلك في قصة –النبض الأدبي- للقاص هيثم بهنام بردى.. هذه القصة نجدها زاخرة بمستويات دلالية عدة تسعى إلى تجسيدها وتركيبها في طبيعة التمثيل النصي، وبهذا الخصوص يقول محمد برادة ما دام المعنى ينبثق تلقائياً من داخل الممارسة الخطابية فيعني ذلك إنزال المؤلف (الذات) عن عرشه فيما يفسح المجال أمام القارئ (المتلقي) أن يشارك بفعالية في التأسيس للنص ومشاركته من خلال عملية التأويل، فالنص لم يعد مغلقاً كما عهدناه في الكتابات السابقة، حيث لم يترك المؤلف أي دور للمتلقي باعتباره ينطلق من حقيقة غير قابلة للتفاوض وواقع فاضح للوسيلة والهدف.. وفي هذا السياق يمكن لي أن أذكر في هذه الورقة مقولة الناقد السينمائي –صلاح دهني- ابان فترة تدريسه مادة المونتاج في معهد الفنون الجميلة قائلاً: لم أقرأ، القصة القصيرة بعد، كلام مهم، يخرج من أستاذ متمرس في الفن السينمي فهو يعني ما يقول، أو يدرك المغزى من القصد، معللاً الإجابة بأن الكتابة القصصية لا تتحمل مقولة النص الروائي بينما يتميز النص القصصي بالتكثيف والاختزال والدلالة المفتوحة، وهذا ما رأيناه مثلاً في –الموجة الجديدة- التي تخرج أفلامها على هذا الأساس، إي أنها تقوم بكتابة الفيلم/السيناريو الذي يتجنب الأديب كتابته على الورق كما أكدته فرجينا وولف في كتابها المعروف -الحقيقة والسينما - فكانت بالنسبة لها أي هذه الموجة لتكون سمة من سمات التخصص أو التجنيس.



تشكلات النص:



فمن الملاحظ أن رسم الأبعاد في نص –النبض الأدبي- تتجلى في حضور النص وغياب المؤلف، وهي محاولة لم نعهدها في كتابات هيثم السابقة بينما نجدها راكزة عند غيره كما هو الحال في أشعار سركون بولص مثلا ، واعتقد أن ذلك راجع لأسرار الترجمة وتفاعلها أثناء كتابة النص عند بعض السريان على وجه الخصوص، بوصف الترجمة لغة مضافة إلى الخبرة والتجربة التي يتمتع بها المؤلف، وهكذا نجد أن حضور النص يأتي من عدة أقنعة مستبدلة لصور الواقع فنرى تحركها منذ السطور الأولى ( المستهل ) : من السماء، حمم بركانية، بأشكال متعددة، مدببة طويلة، تحف بها شلالات من نار، كروية تتشظى منها نجيمات بارقة برتقالية، خضراء، صفراء، ثريات متلألئات تهوى من الخالق، تتوامض نيرانها المتساقطة بشكل هندسي بديع.



يحيل هذا الوصف المكثف إلى ظاهرة التلميح التي تعد القاريء مسبقا لما اسماه منذر عياشي فاتحة المتعة أو الكتابة الثانية ، لتندمج بالمحصلة مع الانساق المختلفة بتضمير التصريح وتغليفه بكلمات تلقائية لا تعرقل المضي نحو قراءة تفاوتيه كما وصفها ستندال، قراءة تستند على الأحمر والأسود، أي كلا اللونين لم يعد ساكناً أمام انزياح الأفعال المغرضة والمشاغبة في نزوعها نحو التمثيل أو التشابه فمثلاً: هل بإمكان نزول الحمم البركانية أن تتوافق مع لغة الثريات المتلألئة؟ وبهذا التصور الذي يكثفه ويمنحنا إياه النص تنتج عروض الدلالة كما يبرهن لنا فعل الضد في الوصف التالي.. (قرية جبلية تسرح فيها قطعان تائهة من خراف افتقدت راعيها الذي آثر الهزيمة والنزوح دون أن يفكر في إخلائها، خراف ونعاج تنظر كبشها المذبوح بفعل شظية شوهت رأسهُ، والناقوس في رقبته المدماة يغفو في نومة أبدية)، ومن ثم نرى في محاورة الجيل أسئلة كونية تلك التي تمخضت عن الهروب مصحوبة بهذيان سحري يتضمن نشاط الوهم وترجيح مراكز الإحالة وتعددها (إذاً لماذا تركوا بيوتهم وذهبوا، أنا أعرف إن الراعي لا يتخلى عن قطيعه، بيتٌ بلا سقف والأثاث مبعثر في الفناء، مهدٌ بستارة وردية يهتز جيئة وذهاباً) أي أن ثمة آت وغادِ، أبيض وأسود كما فسرها البنيويون، وثمة صوت مناجاة أُم تناغي وتعد طفلها بلبن العصفور، اختراق التكرار في فلسفة تفصيل القول بين القوة المائزة التي تحرص على التمييز بين ما يلزم وما لا يلزم والقوة الصانعة التي تتولى ضم الألفاظ والمعاني والتركيبات إلى بعضها والتدرج منها كما جاء ذلك في قول حازم القرطاجني، أي أنه يشعرنا من خلال الألفاظ بهذا الوجود في حين ينظر إلى الهروب ما تسمح به المتاهةُ في التعبير عن خيوطٍ ضاغظة لا تلبث أن تطرح نكرانها للصورة نحو المتصور باختراق الفعل إلى الفعل الخارج من معناه.



فتكتمل قيمة الفكرة إزاء الجنس الإبداعي وكما جاء في تعريف دي سوسير إلى هذه الطبيعة بقوله: إن النص هو ما ينجزه المبدع بخصوصية جمالية متناهية تعالج الأشياء بمكر استثنائي للحقيقة وليس الامتداد في تثبيتها... وهكذا يشعرنا النص أن ما رآه الراعي لم يعد حقيقة (أين الأم؟ وأين الرضيع؟ آه ما أجمل نبرة الأُم حين تناغي.. يقف الراعي يفرك عينيه ويحدق.. المهْد يهتز جيئة وذهاباً.. وترفرف حول أطرافه نهايات الشرشف والدانتيلا وصوت الكركرة يغطي الفراغ بين كل وقفة ولاحقتها من غناء، يرفع رأسهً ويزيح ستاره:- إنه فارغ لا أثر لطفل فيه) ثم تعود علاقة الكينونة بالكائن وعبر تصوير لحظة الصلة التي يعكسها الحلم. (إنه يستاف تلك الرائحة جذلى بجنينها ورضيع يبادل أُمه الابتسام) وككل النصوص الرمزية لا يمكن التقاط معنى واستقصاء مفهوم واحد، فكلما تعاملت معها بوصفها واقعة مستقلة تمتلك حقيقة نفسها كما يقول علي حرب وهذه الحقيقة تمارس حضورها من خلال النص، فمثلاً ربط الأشياء وتعريفها كالجبل وشجرة التفاح وصوت الطفل.. تتيح تسليط مزيد من الضوء على فعالية الكتابة القراءة وعلى تركيب النص ويمكن الإشارة لهذا التركيب وحسب ما جاء في دراسة مارك انجينو**كالآتي:



1- الجبل الصورة التي نرى من خلالها المعنى الغائب في حاضرها ليس في إطارها الهندسي المحض وإنما في تلغيزها ومعناها (مزدوج الوظيفة) أي أن هذا المكان له تميز في الفكرة الشعبية بما يمنحه المعطي السائد في التكوين كما يحتمل التعويض في إنتاج الدلالة.



2- كركرات الطفل: يفسر لنا صلة الأغصان بالجذور.



3- شجرة التفاح: في بعدها الرمزي والأسطوري ، لها جذور قوية فيها طاقة تحمل على البقاء.



وبهذه المكونات راهنت قصة –النبض الأدبي- على البناء الرمزي لوحدة النص.



خلاصة القول:



إن الأدب السرياني ظل وفياً في إطار ما توفر عليه النص العراقي أو العربي عموماً وضوحاً في المراحل المتقدمة من القرن المنصرم وحتى يومنا هذا متداخلاً مع المناخ الواسع لفضاء النص، كمشروع لا يهتم بالخصوصية رغم أهميتها بقدر ما ينمو عبر جهاز مفاهيمي أوسع في إنتاج الحقيقة المعرفية النصية كما هي عند أدمون صبري ويوسف متي وسركون بولص ويوسف يعقوب حداد وغيرهم.



· قصة النبض الأدبي للقاص هيثم بهنام بردي حازت على الجائزة الأولى في مسابقة الأقلام لسنة 2007 م.



** الصورة دراسة وتحليل / وفيها يذكر مارك أنجينو، بأن الاستدلال إيحاء يتيح لنا أن نؤوله ليس بتقطيع أوصاله وإنما بالقيمة المجسمة في الوحدة الإنتاجية للنص ولذا تراه مركزاً في "الشيخ والبحر" لهمنغواي على ثلاث عناصر هي: هياج البحر، وجه سانتياغو، والكوخ.

عن صحيفة كتابات : http://www.kitabat.com/i70785.htm

العودة إلى “تاريخ وحضارة أبناء اللغة السريانية”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائر واحد