طريق بيروت والأردن أسماء سريانية (آرامية وكنعانية)

تاريخ - تراث - شخصيات
أوكين
مشرف
مشاركات: 191

طريق بيروت والأردن أسماء سريانية (آرامية وكنعانية)

مشاركة#1 » 27 إبريل 2010 12:28

أمكنة في الطريق بين عمان وبيروت "1 - 2"

* د. سلطان المعاني

جميلة تلك الرحلة التي توقظ فيك عبق التاريخ وأنت تتبع لعبة التفاعل مع أسماء الأمكنة في الرحلة بين عمان وبيروت ، وحيث تفصح تلك الأسماء عن طبقات لغوية تمنحها دلالات واشتقاقات متنوعة وتؤشر على التفاعل الحضاري الكنعاني والارامي في هاته الأرض من بلاد العرب ، فبلاد الشام تعكس وحدة حضارية حقيقية عكستها هذه الأسماء والتي أسوقها ها هنا رغبة في لفت الانتباه إليها وإلى ضرورة وجود قاموس لأسماء هذه الأمكنة يمنحها عمقها الدلالي والاشتقاقي الذي تستحق.

في البدء لا بُدّ من الإقرار بصعوبة ووعورة الأبحاث التي تتناول علم الأسماء الجغرافية ففي منطقة البحث التي تعتبر مهد اللغات السامية الشمالية الغربية ، يصعُبُ تحديد الفواصل الزمنية بين الأسماء بشكل دقيق ، وذلك لأن الفواصل الزمنية بين اللهجات الكنعانية والآرامية مفقودة ، ومن هنا فأن دراسة الاسم تعتمد في المقام الأول على شكله اللغوي ومضمونه في كثير من الأسماء ، وخصوصا تلك التي تحاط ظروف تسميتها بالغموض. وقد رأيت أن أرصد في طريق الرحلة بين عمان وبيروت الظواهر اللغوية الكنعانية والآرامية المتبقية في أسماء الأمكنة والبقاع.

تلحق الأسماء الكنعانية الجغرافية في بلاد الشام لواحق لغوية يمكن تتبعها على نحو جلي ومنها النهاية "ها" أو "ا" حيث تنتهي بها الأسماء المؤنثة المفردة في الكنعانية ، والتي تبرز في عدد وافر من أسماء المواقع الجغرافية ، وتتشابه هذه النهاية مع علامة المفرد المؤنث المطلق في الآرامية ، وهي تختلط علاوة على ذلك ، بأسماء المواقع ذات الأصول العربية التي تنتهي بالألف المقصورة ، أو تلك التي على وزن فعلاء ، وتلفظها العامة من غير همزة ، أو مع الأسماء المؤنثة والمنتهية بالتاء المربوطة ، والتي تلفظ في حالة الوقف عند العامة هاء ، وتبدو في أسماء المواقع ظاهرة تحول اللاحقة ون إلى ألف لينة بفعل تأثير الآرامية والعربية ، مثل جَبْعا ، الذي جاء على صيغة المؤنث المفرد بمعنى "تلّة ، أكمة". عَشْتَرا ، وهو اسم موقع في حوران ، يقع إلى الشمال الغربي من درعا في سوريا ، ، ويحمل هذا الموقع اسم احد آلهة الكنعانيين عشتار عشترا ، وهي إلهة الحب والخصب عندهم.

أما اللاحقة الألف اللينة فجاءت تحريفا للنهاية ون ، وقد وردت في عدد من الأسماء مثل الجَدْعا ، اسم موقع يتكرر في شمالي وجنوبي الأردن ، ويأتي في أسماء الأشخاص اسم علم على الصيغة جًدعوْن بمعنى الحطاب من الجذر السامي المشترك جدع "حطب ، أسقط ، قطع". وصَيْدا ، وهو اسم قديم ورد في النصوص السامية المختلفة ، فورد في الأكدية على الصيغتين التاليتين: صًيدونا ، صًي دُونااا ، وفي رسائل تل العمارنة صًي دو نا ، وفي الأوغريتية صدين ، وفي الفنيقية صدن ، وفي العبرية سًيدون ، وفي السريانية صَيْدان وهو اسم الإله الفنيقي صد ، والذي ينطوي تحت الجذر صود "صاد" ، وهذا اسم مناسب لصيدا الساحلية ، فلعل للاسم علاقة بصيد البحر.

أما الملمح اللغوي الثاني الذي يظهر في أسماء المواقع ذات الأصول الكنعانية فهو الياء والنون فليس تقليداً اعتيادياً أن تأتي هذه النهاية في اللهجات الكنعانية ، إذ كان ورودها قليلاً جداً في مثل قدشن "مقدسون" ، وبرزت بوضوح في نص نقش ميشع المؤابي ، الذي يعود إلى حوالي منتصف القرن التاسع قبل الميلاد في الكلمات مثل: شلشن ، جبرن ، يمن ، ربن ، غير أن أسماء المواقع الجغرافية الكنعانية قد تأثرت بصيغة الجمع المذكر المطلق في الآرامية (الياء والنون) ، بدلا من الياء والميم التي تسم نهاية صيغة الجمع الجمع المذكر في الأسماء الكنعانية. وأسماء المواقع الجغرافية التي تنتهي بما يمثل الياء والميم أو الياء والنون وهي نهايات قديمة تلحق أبنية أسماء المواقع الجغرافية ، وهذه ظاهرة صوتية قديمة استخدمت في الأكدية ، وفي رسائل تل العمارنة ، وليس من المؤكد فيما إذا كانت تمثل صوت الياء مسبوقاً بفتح أبو بكسر بدايةً ، ثم أُلحق بها صوت النون أو الميم ، بمعنى إدراج حالتي التنوين والتمييم وهي حالة صوتية تلحق الاسم والصفة ، سواء أكان الاسم مفرداً مذكراً أو مؤنثاً ، أو جمعاً ، شريطة أن تكون اللغة مُعربةً ، وهذه حال لا تنطبق على أسماء المواقع الكنعانية والآرامية ، فهي لغت صامتة وليست معربة بالحركات ، وهاتان النهايتان فيهما تلحقان الجمع المذكر فقط ، فالتمييم يتبدى في حالة الجمع المذكر في الكنعانية ، ولا يمكننا عدُّه حالة تنكير كما التنوين في العربية ، ولا يرتبط في حالة التعريف أيضاً. ومسألة التمييم في الساميات تندرج في وظيفيّة التفريق بين التعريف والتنكير ، وهي حالة سقطت من الاستعمال بدءاً من العصور البابلية والآشورية القديمة.

إنّ استخدام هذين المورفيمين يعني أن اللغة مُعربة ، وهذه إشكالية في أسماء المواقع الكنعانية والآرامية ، فهي لغات لها حالات خاصة تمثل الإضافة ، والتعريف ، والإطلاق ، وليس فيها حالات إعرابية ، ولذا نكتفي بعد الواو والنون والياء والنون لواحق تلحق الأسماء. ويمثل هذا الملمح في سوريا الكبرى أسماء المواقع التالية: نًمْرين ، وهو اسم لموقعين ، أحدهما في لبنان ، والثاني في غور الأردن ، وهو صدىً للاسم الكنعاني القديم للموقع نمريم ، ومفرده نمر. ويبرز الملح الثالث ، وهو الواو والنون ، في نهايات أسماء المواقع الجغرافية الكنعانية ، سواء على نهايته الكنعانية الأصلية الواو والنون أو محورا عنها. وتعتبر الواو والنون النهاية اللغوية المكانية التي تسم نهايات أسماء المواقع الكنعانية ، والتي كثر ورودها في فلسطين والأردن ، فجاءت الأسماء: باعُون ، وراسُون ، ورًيمون ، وزًرَقون ، وعَجلون ، وعَقْرَبون ، وعْليمون شمالي الأردن ، وعْينون في جنوب الأردن. وتنقلب هذه النهاية مرارا إلى الألف والنون ، تماشيا مع القاعدة التي تنقلب فيها الواو في اللهجات السامية الشمالية الغربية إلى الألف اللينة في العربية ، ومما يمثل هذه الظاهرة في أسماء المواقع ما يلي: حُسْبان حًشْبون ، وعَمّان عَمون ، وذًيبان دًيبون ، وعَسْقَلان أَشْقًلون ، شيحان سًيحون ، وبًيسان بًيشْون ، ولبنان لًبَانْون ، وكما تظهر هذه اللاحقة منقلبة إلى الياء والنون في الاسم ماعين ، وهو موقع إلى الجنوب الغربي من مادبا في الأردن ، ورد ذكره في مسلة ميشع المؤابية ، العائدة لمنتصف القرن التاسع قبل الميلاد. أما في لبنان فيمثل هذه الظاهرة الأسماء: عَيْدَمون عين دامون ، وعَرْمُون عًيرْمْون ، وأَرْزُون إًيرْزون. وظاهرة الواو والنون تبرز في أسماء مواقع توردها النصوص الأكدية ، مثل صًي دو نا ، ومن أمثلة إبدالها إلى الواو والنون في النصوص المسمارية: دي يخ ا ني ، والتي تكرست في النقوش العربية الجنوبية أيضاً ، كما في اسم برين ، باريان.

وتعتبر علامة الجمع المؤنث الواو والتاء من النهايات المتكررة في أسماء المواقع الجغرافية في بلاد الشام ، فظهرت في لبنان في الأسماء: عَيْنُوت عَيْنوث ، وعْصًيموت عَصْموت ، وعَشقوت عُشْقوت ، وحًصروت حَصْروت ، ومنها اسم بيروت ، وهو في الكنعانية بيروت للمفرد "بئر" ، وقد ورد ذكر الاسم في النصوص المصرية القديمة بًي رو تا ، وكذلك في نصوص تل العمارنة: بي رو تا.

أما الياء والتاء فهي النهاية الثانية الخاصة بالتأنيث ، والتي تستعمل للنسبة في الأسماء المؤنثة ، ومثلتها من الأسماء في الديار الشامية: زًغْريت ، وصافيت ، وعًزْرًيت في الأردن ، ويسرد فيلد عدداً غير قليل من الأسماء في لبنان. ومن النهايات التي تلحق الأسماء المؤنثة التاء والألف ، مرادفةً للنهاية الواو والتاء في الكنعانية ، وقد ورد في اسم هامْتا كنعاني هامْوت. وتضم الأسماء على الدرب هذا الملامح اللغوية الآرامية المتبقية في أسماء المواقع الجغرافية في بلاد الشام ، ويمكن درجها باللاحقة ياء ونون تبرز في أسماء المواقع الجغرافية ذات الأصول الآرامية علامةً للجمع المذكر في حالة الإطلاق ، ويمثلها عدد وافر من أسماء مواقع بلاد الشام ، وهي في الأردن: بيت سُوسًين ويعني "بيت الخيول" ، وثْوارًين من المفرد ثْوارا بمعنى "مكان الدهشة والانبهار" ، وبًيرين من المفرد بًيرا بمعنى "بئر" ، وجَزّين "خزائن ، مخازن" ، وعابدين من المفرد عَبْدا "عبد ، خادم" ، عْبًلًّين ، وعَصرًين ، وخلًّة شمسين ، ومَجْدلين ، وبَرَازين ، أما في لبنان فنجد تحت هذه البنية الأسماء التالية: عًقْلًين "الطرق المعوجة" ، بًعْقْلًين "بيت الطرق المعوجة" ، بُسْرين "بيت السرو ، مكان السرو" ، بْتَعْلين "بيت العالين" ، مُهْرين "سكان الجبل" ، ومن الأسماء التي تنتهي بهذه الزائدة في سوريا دير رمانين ، رُومَّانيين من المفرد رمّانا "رمان" ، وسًرْمين من المفرد الآرامي سَارما أو سَرْما "الأشرم ، الأفطس" ، وشَمْسين ومفردها شَمْسا "الشمس".

واللاحقة الثانية هي الألف والنون ، وهي علامة جمع المؤنث المطلق أو النكرة ، وهي لاحقة ظهرت في بناء أسماء المواقع القديمة ، فجاءت في الأكدية في اسم ما جات ا ني. أما في بلاد الشام فترد الأسماء التالية حاملة هذه اللاحقة: عرمان "تلال ، مرتفعات" ، وعبان في شمالي الأردن ، من المفرد الآرامي عابا "غابة" ، وحرلان ، حْورْلان "من أسماء النباتات" ، وحُمران في سوريا.

أما الأسماء التي تحمل نهاية الجمع المؤنث المطلق في المواقع اللبنانية ، فيمثلها حيلان ، آرامي حيلان مفردها حَيلْتا بمعنى "الأقوياء الأشداء" ، أو "المكان القوي المنيع". حلان ، آرامي حَلاّن من المفرد حَلّتا ، بمعنى "الكهف أو المغارة" أو "الأرض الرملية". دير كفيفان آرامي دير كًفّان من المفرد كًفّثا ، ومعناه "دير القبة" ، وجذره بمعنى "مال وانحنى".

أعي أن ما أوردناه يقع في المنحى البحثي الأكاديمي المتخصص غير أن البداية في بث الوعي بهذا الجانب لا بد أن تكون صحفية وبهذه الوعورة حتى يتسنى لنا فيما بعد فكفكة وعورتها والتماس السهل في إيصالها ، آملا الصبر علينا في حمل القارئ على تعاطي مقالة هذا الأسبوع والذي يليه على النحو البحثي البحث الذي ترون،.

Date : 22-04-2010
جرديدة الدستور

العودة إلى “تاريخ وحضارة أبناء اللغة السريانية”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائر واحد