العقيدة (3)

الأب ميخائيل يعقوب
إداري
مشاركات: 712

العقيدة (3)

مشاركة#1 » 10 نوفمبر 2010 16:55

المقطـع الثانــــــــــي .
يتابع العلامة ابن العبري قائلاً : الذي أقام الإنسان وهو العالم الصغير بواسطة العالم الأكبر . وحبّل في عقله شبهاً إلهياً أسمى من جميع الطغمات الجسمية بعجب عظيم . فأمدّه بالإشعاع الروحي . وزيّنه بالإشراق الساطع . ومهّد أمامه الطريق لكي يهتدي بواسطة الخلائق إلى الخالق . وميّز وزان إدراكاته كمن بميزان بواسطة تصرّف الأفكار العقلية . وأحاطه بسياج ناموسي لكي لا يحيد عن ناموس العدالة . وحذّره ليشتهي الحياة وينفر من الضلال المؤدي إلى هلاكه . أما هو فأخذ من الأهواء التي وقع بشراكها . وعلق بتعاسة وشقاء في فخاخها . فنسي مجده . وتجرأ معترضاً على واضع ناموسه . واضطرم بحب الخير الوقتي ( الظلّي ) مصدر كل شر وفساد . وهدس بأفكار وخيمة معاكسة ضد مكوّنه ( خالقه ) . وهذه التقاليد التي ابتكرها بذاته لذاته وكملها ، قد أودعها لأولاده من بعده . وهكذا كثرت الهرطقات والبدع المقيتة والأوهام المزيفة السخيفة في العالم .


نلاحظ في هذا المقطع
1) الذي أقام الإنسان وهو العالم الصغير بواسطة العالم الأكبر .
نعم إن الإنسان هو عالم داخلي في ذاته بتصوراته وأفكاره وتفكيره ومحاكماته العقلية ....... إلخ .

2) حبَّل في عقله شبهاً إلهياً أسمى من جميغ الطغمات الجسمية بعجب عظيم .
إن المقصود بالطغمات الجسمية الكائنات التي لها أجساماً مادية ( الحيوانية بأنواعها وأجناسها ، النباتية أيضاً بأنواعها وأجناسها ) .
س ) ما هو الشبه الإلهي الذي حبّله الله في عقل الإنسان . وما المقصود بـ ( حبّل في عقله ) ؟
- لابد لكل حبلٍ من ولادة بأية طريقة أو حالة أ و نوعية . ولذا فإن هذا الشبه الإلهي المحبّل به في عقل الإنسان لابد أن يتمخّض عن ولادة هي نتيجة لكل نشاط عقلي داخل الإنسان .
- الشبه الإلهي . قلنا في حديث سابق أن وجه الشبه الرئيسي بين الإنسان والله هو التثليث . فكما أن الله هو مثلث الأقانيم ( الآب والابن والروح القدس ) هكذا الإنسان أيضاً هو مثلث الأقانيم بوجوده وعقله الناطق وروحه . لكن هناك أوجه شبه كثيرة غير هذه نذكر منها : قوة الاستدلال العقلي . قوة الاكتشاف العقلي . قوة التصور العقلي . قوة العمل . قوة الحركة . قوة الفعل والصنع . قوة العلم والمعرفة . قوة السمو الروحي ...... إلخ . هذه الملكات العقلية وغيرها التي هي أوجه شبه بين الإنسان والله التي حبّلها الله في الإنسان لم يجعلها في غيره من الكائنات الجسمية الأخرى من جهة ، ومن جهة ثانية إن كل ملكة من هذه الملكات إن فعَّلها الإنسان في نفسه فإنها سوف تتمخض عن ولادة عقلية بحسب نوعها وأذكر بعض الأمثلة .
مثال (1) إذا ما قرأ المؤمن حديث ربنا يسوع المسيح له المجد الذي قال فيه : الذي عنده وصاياي ويحفظها فهو الذي يحبني ( يو14: 21 ) وفعّل ملكة الإدراك العقلي سوف يدرك أن المسيح يؤكد أن محبتنا له ليست مجرد كلام نقوله أو شعار نطلقه أو إحساس نحسّ به ، بل لابد من سلوك آخر يرافق القول والشعار والإحساس ، وهذا السلوك هو على مرحلتين متلازمتين هما حفظ وصايا المسيح عقلياً وتطبيقها عملياً ، وإن رأس تعاليم المسيح هي المحبة ، محبة الله ومحبة القريب بحسب ما أكّد ربنا يسوع المسيح له المجد في جوابه على الرجل الناموسي الذي سأله قائلاً : أية وصية هي العظمى في الناموس ؟ فأجابه رب المجد قائلاً : تحبّ الرب إلهك من كل قلبك وكل نفسك وكل فكرك هذه هي الوصية الأولى والعظمى والثانية تشبهها تحبّ قريبك كنفسك بهاتين الوصيتين يتعلّق الناموس والأنبياء ( مت22: 35-40 ) .
مثال (2) يتأثر شاعرٌ بموقف ما فإن هذا التأثير يحبل في عقله قصيدة شعرية فيُسرع إلى كتابتها على الورق . وما هذه الكتابة إلى ولادة عقلية لتلك القصيدة إذ خرجت من عقله إلى سطح الورق لتُنسخ وتتناقلها الناس بالترديد والحفظ .
مثال (3) حينما يقوم الإنسان مثلاً بإنشاء حديقة في حوش منزله فإنه يتصور أولاً الحديقة في عقله ثم يقوم بالتنفيذ ، وحينما ينفذها فإنه تكون كما تصورها في عقله ، حيث أنها حبلت في عقله صورة ثم ولدها بالتنفيذ العملي وكل ذلك لأنه استخدم ملكة التصور والإنشاء .
وفي الحقيقة إن الأمثلة كثيرة جداً لا تُعد ، بالمختصر . إن كل ما يقوم به الإنسان من أفعال وأعمال هي ولادة عقلية لنوعٍ أو عدة أنواع من الملكات العقلية التي حبّلها الله فيه . وهذا ما عبر عنه ربنا يسوع المسيح حينما طرح لنا المقياس الوحيد للتمييز بين الإنسان العاقل والإنسان الجاهل إذ قال : فكل من يسمع أقوالي هذه ويعمل بها أشبهه برجل عاقل بنى بيته على الصخر فنزل المطر وجاءت الأنهار وهبت الرياح ووقعت على ذلك البيت فلم يسقط لأنه كان مؤسساً على الصخر . وكل من يسمع أقوالي هذه ولا يعمل بها أشبهه برجل جاهل بنى بيته على الرمل فنزل المطر وجاءت الأنهار وهبت الريح وصدت ذلك البيت فسقط وكان سقوطه عظيماً ( مت7: 24- 27 ) .
فالرجل العاقل الذي بنى بيته على الصخر هو الذي قام بتفعيل ملكاته العقلية المتعددة للوصول إلى القاعدة التي تقول إن البيت إذا ما بني على الصخر فإنه والصخر يُصبحان كتلة واحدة فلا يؤثر عليه مؤثرٌ ولا يتزعزع وبالتالي سيكون بيتاً آمناً ، ولذا فإن هذا الرجل دُعي بالعاقل . أما الرجل الذي بنى بيته على الرمل فهو الذي لم يفعّل ملكاته العقلية كي يتوصل إلى النتيجة الآنفة الذكر أو أنه إذا ما بنى بيته على الرمل فإنه سيكون بناءً خطيراً حيث أن الرمل هو مادة غير ثابتة ولا متماسكة ولا قوية وبالتالي فالبناء عليها بناءٌ غير آمنٍ ، لذا فإنه دعي بالرجل الجاهل أي الغير عاقل .
هذه الملكات العقلية الكثيرة التي حبّلها الله في الإنسان رمّزها العلامة ابن العبري برموزٍ شاملة وهي : الإشعاع الروحي ، الإشراق الساطع ، السياج الناموسي ( الضمير ، الشريعة الكتوبة ) .

3) نلاحظ أنه في سياق حديثه عن الملكات العقلية التي حبّلها الله في عقل الإنسان أراد تبارك اسمه من الإنسان أن يفعّلها لتنشيط الناموس الذي فيه ( الطبيعي أي الضمير ، الناموسي أي المكتوب ) من أجل أن لا يحيد الإنسان عن ناموس العدالة وأن يشتهي الحياة مع الله وينفر من الضلال المؤدي إلى الهلاك .
وحقيقة إن هذه المسألة هي ما نجدها في طيات الوصية الأولى التي أعطاها الله للإنسان حينما قال له : من جميع شجر الجنة تأكل وأما من شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت ( تك2: 16-17 ) حيث أننا إذا ما تأملنا في هذه الوصية قليلاً فإننا سنجد فيها :
أ‌) يخاطب الله عقل الإنسان بكل ملكاته العقلية الحرّة .
ب‌) إن جميع شجر الجنة هي رموز عن إرادة الله المتعددة الغايات والمقاصد .
ج) إن شجرة معرفة الخير والشر هي الشيطان بالذات والانسياق له ، لأن الشيطان إلى ذلك الحين كان الوحيد الذي يعرف الخير والشر معرفة عملية . فكونه كان أحد رؤساء الملائكة كانت له معرفة عملية بالخير . وبعدما سقط من مرتبته بكبريائه وتمرده على الله صارت له معرفة عملية بالشر . ولذا فإن جوهر تلك الوصية كان أن يعمل الإنسان بإرادة الله ولا يعمل بإرادة الشيطان التي رأسها الكبرياء . فإن عمل بإرادة الله فهو لن يحيد عن ناموس العدالة الإلهية ، وأما إن عمل بإرادة الشيطان فإنه سوف يحيد عن ناموس العدالة إلى الضلال المؤدي إلى الهلاك .
وحقيقة حينما عمل الإنسان بإرادة الشيطان فإنه :
- انجرف وراء الأهواء التي رماها به الشيطان .
- علقَ في تعاسة وشقاء تلك الأهواء .
- ترك الجاد الذي خلقه فيه الهب .
- صار متمرداً على خالقه مثلما تمرد الشيطان من قبله .
- صار يرى الملذات الوقتية خيراً له بينما هي مصدر كل شر وفساد .
- صارت تتقاذفه الأفكار الشيطانية التي بجملتها هي ضد الرب الإله تبارك اسمه .
- بالمختصر تسلّط عليه الموت الذي حذّره منه الهث تبارك اسمه وهو موت الخطية .

3) إن ما آل إليه الإنسان الأول من فساد لم يقتصر عليه فقط بل أصبح ذلك الفساد كمورثة انتقلت من جيل إلى جيل وإلى يوم القيامة ، أي أنه صار الفساد طبيعة أساسية في الإنسان فكان لابد أن تنتقل . أي أن موت الخطيئة صار طبيعة تنتقل في الإنسان من جيل إلى جيل وهذا ما عبّر عنه الرسول بولس بالقول : من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم وبالخطيئة الموت وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع ( رو5: 12 ) .
4) هذا وقد جرت طبيعة الإنسان الفاسدة التي نشأت فيه منذ أن انجرف وراء إرادة الشيطان إلى ويلاتٍ ومصائب ومآسي كثيرة جداً ، وذلك لأن الويلات والمصائب والمآسي وكل ما هو شر على الإنسان لا يأتيه إلا من الشيطان إن انساق وراء إرادته الشريرة . ونقرأ في كتابنا المقدس كإثبات على ذلك أن قايين من أولاد آدم قتل أخاه هابيل بسبب أن اله لم يقبل قربانه بينما قبل قربان أخيه هابيل ، فإنه بدل أن يفكر في إصلاح حاله والطريقة اللائقة لتقديم القربان احتال على أخيه وقام عليه وقتله ( تك4: 3-8 ) كما نقرأ عن السبب الذي أدى إلى الطوفان في عهد نوح البار ، ذلك الطوفان الذي أهلك الجميع باستثناء نوح وأسرته ( تك6 ) ثم فيما بعد عادت الخطية وعمت كما طغت عبادة الأوثان على البشر ..... إلخ .
مسيحنا الله

الأب القس ميخائيل يعقوب
كاهن كنيسة مار أسيا الحكيم في الدرباسية


هــــ : 0096352711840
موبايل : 00963988650314
إيميل هوتميل : [email protected]
إيميل ياهو : [email protected]


و فوق الصليب تصرخ الحقيقة

العودة إلى “العقيدة - حلقات في علم اللاهوت”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائر واحد

cron