العقيدة (4)

الأب ميخائيل يعقوب
إداري
مشاركات: 712

العقيدة (4)

مشاركة#1 » 21 نوفمبر 2010 11:22

نبتدئ الآن بعون الله الدخول إلى كتاب منارة الأقداس للعلامة ابن العبري . وإن دخولنا هذا هو إلى
الركن الأول من الكتاب
الذي يبحث عن المعرفة البسيطة وفيه ثلاثة فصول .

الفصل الأول
في أن الأدب ضروري للعاقلين ( الناطقين )
فيه خمسة مقاصد

المقصد الأول
في البراهين العقلية التي تؤيد هذه القضية
أي تؤيد أن العقل ضروري للعاقلين الناطقين

البرهان الأول : نقول إن المعرفة كمال العقل ، والكمال يُطلب لذاته ( القيام بذاته ) فالمعرفة تُطلب لذاتها ، ووجوب قيام الكمال بذاته واضح من أنه لو لم يكن قائماً بذاته لوجب أن النقص الذي هو ضده يكون قائماً بذاته ، ولما كان النقص الذي هو انعدام الجزء مجرداً عن ذاته ، وجب أن يكون الكمال متطلب لذاته . فكل عقل مجتهد نشيط إذاً يجب أن يتوق إلى المعرفة التي هي كماله .

نلاحظ في هذا البرهان الأول :
1) بالمعرفة يُسمى العقل عقلاً وبها يسمو إلى الكمال . وإن الكمال العقلي هو مطلب قائم بذاته لأنه يؤدي إلى اكتساب المعرفة المتنامية .
حقيقة لا يُسمى العقل عقلاً إلا بالمعرفة ، حيث أن المعرفة تُكسب العقل قوّة على الفهم ، وهذا ما نجده عند ذلك الرجل من الكتبة الذي تقدم إلى يسوع وسأله عن أي الوصايا هي الأول ، فأجابه رب المجد بأن أول الوصايا هي : اسمع يا اسرائيل ، الرب إلهك رب واحد . تحبّ الرب إلهك من كل قلبك وكل نفسك وكل فكرك ومن كل قدرتك ...... وثانية تشبهها هي تحب قريبك كنفسك . وحينما أجاب له المجد ذلك فإن ذلك الرجل ردّ قائلاً : جيداً يا معلم بالحق قلتَ لأن الله واحد وليس سواه ومحبته من كل القلب ومن كل الفهم ومن كل النفس ومن كل القدرة ، ومحبة القريب كالنفس هي أفضل من جميع المحرقات والذبائح . ثم يقول معلمنا مرقس البشير : فلما رآه يسوع أنه أجاب بعقلٍ قال له : لست بعيداً عن ملكوت الله ( مر12: 28-34 ) . وبذلك نجد أن السبب الذي لأجله قال يسوع عن ذلك الرجل أنه أجاب بعقلٍ هو أنه فضّل الوصية الأولى والرئيسة بين الوصايا عن الذبائح والمحرقات بالرغم من أنها كانت طقوساً ناموسية لابد منها لكل إنسان يهودي منذ مولده وحتى مماته إلى درجة أنها صارت تُعتبر عند اليهود وفي تصورهم في قوة أكثر من الوصية . ومن ذلك فإذ أنه أجاب بعقل فلأن قوة الفهم العقلي عن طريق المعرفة كانت حاضرة في عقله إلى درجة أنه كسر المفاهيم الخاطئة السائدة آنذاك ليعلن المفهوم الحقيقي ألا وهو أن الوصية أقوى من كل الناموس وهي رأسه .
2) الكمال هو مسألة قائمة بذاتها موجودٌ سعى إليه الإنسان أم لم يسعَ .
نعم إن الكمال هو مطلب قائم بذاته لأنه كامن في الإنسان . وهذا يذكّرنا بقول رب المجد يسوع : فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السموات هو كامل ( مت5: 48 ) حيث نلاحظ أن له المجد لم يقل حاولوا أن تكتسبوا تقنية أن تكونوا كاملين بل قال كونوا كاملين . لماذا ؟
لأن قوة الكمال كامنة في الإنسان وهي مطلب فيه ومنه ، وما عليه أن يحققه .
3) النقص يعني انعدام جزءٌ أو كثيرٌ من الكمال ولذا فهو ليس قائماً بذاته أي أنه مجردٌ من الذات . وهذا يذكرنا بقول صاحب الأمثال : أما الأغبياء فيموتون من نقص الفهم ( أم10: 21 ) . وفي الحقيقة إن نقص الفهم هو الذي نعت الأغنياء بالأغبياء . وإن هذا الغباء ناتجٌ عن عدم المعرفة حتى أنهم لا يدركون أهمية الكمال في المعرفة التي تؤدي بهم إلى الحياة مع الله وتسخير أموالهم من أجل مجد اسمه القدوس . وهذا ما نجد له معنى رئيسياً في قول السيد المسيح له المجد : وأما من يسمع أقوالي هذه ولا يعمل بها أشبهه برجل جاهل بنى بيته على الرمل فنزل المطر وجاءت الأنهار وهبت الرياح وصدمت ذلك البيت فسقط وكان سقوطه عظيماً ( مت7: 26-27 ) .
4) وجوب أن يتوق العقل النشيط والمجتهد إلى المعرفة لأنها كماله .
وإن هذا الوجوب هو ضرورة لابد منها لأن العقل كما أسلفنا القول لا يُسمى عقلاً من دون المعرفة . وفي الحقيقة إن أفضل المعارف هي التي في كلام الله . وهذا يذكرنا بقول صاحب المزامير : فتحُ كلامك ينير عقل الجهّال ، فغرتُ فمي ولهثتُ لأني إلى وصاياك اشتقتُ ( مز119: 130-131 ) .
البرهان الثاني : نقول أن مدركي الحواس محسوسون ، ومدركي العقول معقولـون . كما اننا عندما نسمع صوتاً منسجماً وموسيقياً نشتاق إلى الإنصات إليه ، أو عندما نشاهد منظراً عجيباً وجميلاً نرغب أن نتطلع إليه . هكذا عندما يخطر على بالنا تصوّر معنوي جميل سام ، يجب أن نشتاق إلى تعقله وإدراكه . فمعرفة جميع المعنويات ضرورية للعاقلين ( الناطقين ) وإن أضعفت الحياة المادية الشوق فينا .

نلاحظ أن الفكرة الأساسية في هذا البرهان الثاني هي ضرورة السعي إلى فهم وإدراك المعاني الجميلة والسامية لأنها ضرورية للأدب إن كنا عاقلين ، وفي ذلك نجد :
1) علينا أن تصوّر المعاني الجميلة .
ومن الأمثلة على ذلك أذكر حديثاً للرب يسوع المسيح قال فيه : ارفعوا أعينكم وانظروا إلى الحقول إها قد ابيضّت للحصاد ، والحاصد يأخذ أجرة ويجمع ثمراً للحياة الأبدية لكي يفرح الزارع والحاصد معاً ( يو4: 35-36 ) .
إنه له المجد في هذا الحديث يوجه أبصار خدامه إلى الحقول التي زرع فيها كلمته الخلاصية فنبت الزرع ونضج وحان قطافه ولابد من حاصد يحصده إلى مخازن المسيح الخلاصية ، وإذ أن الحاصدين هم خدام المسيح لذا فإنه وجّه أبصار خدامه إلى المعاني الجميلة التي ضمّنها في حديثه . فمن ناحية شبّه المؤمنين بالحقل وكلمته هي الزرع في هذا الحقل ، وإن عبادتهم الخلاصية الصالحة هي نضوجهم في الحياة الروحية ، وإن قطافها هو تثبيتها في هذا الزرع كي تصل بفرح إلى الحياة الأبدية . وأما من ناحية ثانية شبّه المؤمنين الذين لم ينالوا بعد سرّ المعمودية لكنهم أخذوا كلمة الخلاص بالحقل وكلمة الخلاص مزروعة فيه وقد نضجت فما على خدامه إلا أن يحصدوها بإدخالها إلى حظيرة الخلاص بسرّ المعمودية ويعتنوا بها كي تصل هي الأخرى بفرح إلى الحياة الأبدية .
2) إن تصوّر المعاني السامية ضرورة لابد منها للأدب إن كنّا عاقلين .
وفي هذ1ا الخصوص أذكر حديثاً لربنا يسوع المسيح له المجد قال فيه : أليست الحياة أفضل من الطعام والجسد أفضل من اللباس ، انظروا إلى طيور السماء إنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن وأبوكم السماوي يقوتها ، ألستم أنتم بالحري أفضل منها ( مت6: 25-26 ) . حيث نلاحظ أن له المجد يوجهنا إلى ضرورة تصور هذا المعنى الجميل بالنسبة لنا ألا وهو أننا الأفضل بين المخلوقات المحسوسة وهو يهتمّ بنا ويعتني على الدوام .

البرهان الثالث : نقول أن الإنسان هو إنسان باعتباره ناطقاً وعارفاً ، وليس كونه آكلاً وشارباً . لأن هذه الأخيرة توجد في غير الإنسان أيضاً . فكما أنه ( الإنسان ) رغم نطقه ومعرفته يتعرض للنقص ، كذلك بالأكثر يتعرض في بشريته . فالإنسان الحقيقي هو الكامل بالمعرفة ، والمجرد من المعرفة* التي تُنسب بالأكثر للبهيمة . فلإنسان مجازي ومعنوي .
-------------------------------------------------------------------------
* أظن أن العبارة ناقصة الحرف ( من ) ولذا فأنا أظن أنها كالتالي : والمجرّد من عدم المعرفة

نلاحظ في هذا البرهان الثالث :
1) إن الإنسان هو إنسان باعتباره ناطق وعارف وليس كونه آكلٌ وشارب .
نعم إن هذه حقيقة بديهية لا تحتاج إلى شرح فإنها تميّز الإنسان عن الكائنات الحيوانية والنباتية بمختلف أنواعها وأجناسها . فإنه متكلم وعارف ما يتكلم به إن كان حقّاً أم باطلاً . وفي هذا الخصوص أذكر هذا القول لصاحب المزامير مخاطباً الله بشأن الإنسان المتكلم والعارف ما يتكلمه : يا رب من ينزل في مساكنك ، من يسكن في جبل قدسك ، السالك بالكمال والعامل بالحق والمتكلّم بالصدق في قلبه .... الذي لا يُسيء بلسانه ( مز15: 1-3 ) .
2) بما أن الإنسان قابل أن يتعرض للنقص في بشريته لذا فلإنسان الحقيقي هو الكامل بالمعرفة .
إن هذا ما نجد له إشارات كثيرة في حديث الرسول بولس عن المسيح الذي أعطى مواهب المعرفة الحقيقية ( الإرسالية ، النبوّة ، التبشير ، الرعاية والتعليم ) إذ قال : أعطى البعض أن يكونوا رسلاً والبعض أنبياء والبعض مبشرين والبعض رعاة ومعلمين لأجل تكميل القديسين ، لعمل الخدمة ، لبنيان جسد المسيح ، إلى أن ننتهي وحدانية الإيمان ومعرفة ابن الله ، إلى إنسان كامل ، إلى قياس ملء قامة المسيح ( أف4: 11-13 ) .
مسيحنا الله

الأب القس ميخائيل يعقوب
كاهن كنيسة مار أسيا الحكيم في الدرباسية


هــــ : 0096352711840
موبايل : 00963988650314
إيميل هوتميل : father.michel@hotmail.com
إيميل ياهو : father_michel_jacob@yahoo.com


و فوق الصليب تصرخ الحقيقة

العودة إلى “العقيدة - حلقات في علم اللاهوت”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائر واحد

cron