العقيدة (6)

الأب ميخائيل يعقوب
إداري
مشاركات: 712

العقيدة (6)

مشاركة#1 » 02 يناير 2011 17:56

البرهان الثالث . ابن سيراخ* : لنطلب مثل حكمة الأولين ، ولنتجه إلى الأنبياء القدماء ، ولنتعلم أقاصيص كل أناس العالم ، ونفكر بالأمور العميقة . وقوله : إن حكيم العالم يرث الكرامة واسمه ثابت إلى حياة الأبد . وأيضاً : البكاء على المائت المحروم من النور وعلى الجاهل المجرد من الحكمة .
نحلل ما أورده علامتنا ابن العبري من ابن سيراخ فنجد ما يلي :
1) طلب حكمة الأولين .
2) الاتجاه إلى الأنبياء القدماء .
3) تعلّم أقاصيص كل الناس .
4) التفكير بالأمور العميقة .
5) يرث الحكيم كرامة واسمه يرث حياة إلى الأبد .
6) ضرورة البكاء على المائت المحروم من النور ، وعلى الجاهل المجرّد من الحكمة .
نتوقف قليلاً عند كل واحدة منها
1) طلب حكمة الأولين .
في الحقيقة إن في طلب حكمة الأولين منافع كثيرة . فمن هم الأولين ؟
إنهم الآباء والأجداد الذين خلّفوا تراثاً عظيما من الحكمة كفيل بجملته أن يوجه الإنسان والمجتمع التوجيه السليم إلى بر الأمان والسلام . فإن حكمهم ليست إلا قواعد سليمة جداً في الإيمان والعبادة والسلوك والعيش والتفكير ....... إلخ . ومن الأمثلة الكثيرة نأخذ من حكم أحيقار الحكمة التالية :
إذا ضَرَبتُكَ يا ابني فلن تموت ، وإذا تَرَكتُكَ تتبع هوى قلبك فلن تحيا ( راجع كتاب أحيقار الحكيم ، مطبوعات مجمع اللغة السريانية بغداد 1976 ص101 الحكمة 82 ) .
وحقيقة إن هذه الحكمة لرائعة بل وأكثر من رائعة لماذا ؟
لأن من يضرب ابنه إنما يضربه من أجل تهذيبه ولذا فإنه لن يضربه الضرب المؤدي إلى الموت من ناحية ومن ناحية فإن ضربه مع تبيهه وتحذيره وتعليمه وتربيته فإنه سوف يؤدي بالإبن إلى أن يشبَّ على فضائل القيم والأخلاق الحميدة والإيمان الصالح وسيكون غرسة صالحة في المجتمع والكنيسة . أما إن ترك الأب ولده على هواه فإن أهواءه سوف تقوده إلى الفساد منذ صغره ، وحينما سيكبر فإنه قد يكون مجرماً مثلاً ، ولذا فإن الأب في هذه الحالة بعدم تربيته وضربه لإبنه يكون قد حكم على ابنه بالموت الأدبي والأخلاقي والديني .... بينما لا يزال ابنه على قيد الحياة .
وهكذا أخذنا من أحيقار الحكيم حكمةً ومعرفةً في ضرورة تربية الأولاد .
2) الاتجاه إلى الأنبياء القدماء .
ما سبب الاتجاه إلى الأنبياء القدماء ؟
إن الأنبياء هم الذين تسلموا النبوات من الله تبارك اسمه . وما النبوات إلا :
أ‌) إنباء أكيد بحوادث مستقبلة لا يمكن أن يعرفها الإنسان بمجرد الاستدلال العقلي . إنها إعلانات من الله سرت إلى عقول الأنبياء بفعل الروح القدس ، ولذا فإن الأنبياء كانت تحدث معهم المعجزات الخارقة ذلك لأن النبوة هي معجزة خارقة . فكما أن المعجزة تُظهر قوةً فوق قوة البشر هكذا النبوة تُظهر قوة فوق قوة العقل البشري .
ب‌) إنها فيض إلهي يتوسط العقل الفعال على النفس الناطقة وعلى القوة المتخيّلة .
وبالتالي فإن الأنبياء كانوا أناس مختارين من الله يعطيهم علماً فوق قدرة العقلي ينبئوا به البشر بإرادة الله ومشيئته الصالحة . ومن ذلك فإن اللجوء إلى الأنبياء يعني التعرف إلى مشيئة الله في الحياة البشرية منذ القديم وحتى الآن ، أي اكتساب معرفةً من عند الله غير قادرٍ عليها العقل البشري .
3) تعلّم أقاصيص كل الناس . لماذا ؟
لأن لكل شعب من الشعوب تراثه وحضارته وثقافته وعاداته وتقاليده . وبالتالي فإن الاطلاع على ثقافات الشعوب يعني تعلم ما لديهم من حسنات وإيجابيات والاستفادة منها .
4) التفكير بالأمور العميقة .
إن المقصود بالأمور العميقة هو ما هو أساسي في المسائل وبالأخص المسائل الدينية وذلك لأنها تقدم للمؤمن معرفة كيفية الخلاص . وهذا ما يذكرنا حينما كان الرسل يجاهدون للصيد بالقرب من الشاطئ من المساء وحتى الصباح دون أن يصطادوا شيئاً ، وفي الصباح حينما قال لهم رب المجد يسوع اذهبوا إلى العمق والقوا شباككم فإنهم اصطادوا سمكاً كثيراً حتى كادت شباكهم تتخرق ( لو5: 4-6 ) .
5) يرث الحكيم كرامة واسمه يرث حياة إلى الأبد .
نعم إن الحكيم يرث كرامة فلأنه يصل إلى قلوب كل الناس بسبب حكمته من ناحية ومن ناحية ثانية فإن حكمته تقوده دوماً إلى الأخذ بسبل الصواب على كل الأصعدة وأولها على الصعيد الروحي وهذا ما يقوده إلى الحياة الأبدية . وهذا ما يذكرني بقول صاحب الأمثال : قُنيَّةُ الحكمة كم هي خيرٌ من الذهب ، وقُنيّة الفهم تُختار على الفضة ( أم16: 16 ) فالحكيم أيضاً يقدّم لنا حكمةً ومعرفة ننتفع بها .

6) ضرورة البكاء على المائت المحروم من النور ، وعلى الجاهل المجرّد من الحكمة .
من هو المحروم من النور ؟
المحروم من النور هو الذي ليس له المسيح .
من هو الذي ليس له المسيح ؟
إنه على نوعين
نوع أول . الذي لم يدخل بعد إلى حظيرة الخلاص بالمسيح .
نوع ثاني . المسيحي الذي لا يعمل بحسب حقّ تعليم المسيح .
وإن هذا ما يذكرنا بقول المسيح له المجد عن نفسه : أنا هو نور العالم من يتبعني فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة ( يو8: 12 ) . وإن قول المسيح هذا عن نفسه يجب أن يكون مبعثاً للسرور في نفس الإنسان ، لماذا ؟
لأن المسيح يقدّم نفسه نوراً للإنسان ، وبالتالي فإن أخذ الإنسان بهذا النور فإنه عملياً سيعمل بحسب حق تعليم المسيح له المجد وهذا ما سيؤدي به إلى :
- النجاة من الشرور والمصائب ، من المحن والمآسي .
- التمتع بالحياة الروحية بالمسيح .
- الوصول إلى الحياة الأبدية بالمسيح .
وهذا هو ما جعل ابن العبري يقول بضرورة البكاء على المحروم من النور ( نور المسيح ) لأنه :
- لن ينجو من الشرور والمصائب والمحن والمصائب .
- لن يتمتع بالحياة الروحية بالمسيح .
- لن يصل إلى الحياة الأبدية بالمسيح .
ولذا فإن المحروم من نور المسيح سيتحقق فيه قول السيد المسيح له المجد : لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه لأنه ماذا يعطي الإنسان فداء عن نفسه فإن ابن الإنسان سوف يأتي بمجد أبيه مع ملائكته وحينئذٍ يجازي كل واحد حسب عمله ( مت16: 26-27 ) .

من هو المجرّد من الحكمة ؟
هو الذي ليس له كلام المسيح حيث أن كلام المسيح هو المصدر الأساسي للحكمة . وهذا أيضاً يشمل النوعين السابقين . وإن هذا ما يذكرنا بقول السيد المسيح له المجد : كونوا حكماء كالحيات . حيث أن حكمة الحية توجهها في حياتها إلى السلوك الذكي الذي يكفل لها الأمان على الدوام والاستمرار على قيد الحياة . ومن أمثلة ذلك أذكر :
- حكمة الحية توجهها أن لا تبادر إلى الهجوم على عدوّها فإن ذلك قد يُحدث عنده ردة فعل انعكاسية عنيفة قد تؤدي به إلى التغلب عليها وقتلها .
- تفرض حكمة الحية على الحيّة إذا ما هاجمها عدّوها أن تفر هاربة لأنها إن لم تهرب فإنه قد يقتلها وتخسر حياتها .
- حكمة الحية تفرض عليها حينما لا تستطيع الفرار من عدوها أن تخفي رأسها على الأقل لأنه حتى إن قُطع كامل جسمها وبقي رأسها حياً فإنها ستظل حيّة ولا تموت .
- تفرض حكمة الحية على الحية حينما لا تستطيع الفرار من عدّوها ولا أن تخفي رأسها أن تهجم حيئنذ عليه وتقتله كي تظل هي حيّة ولا تخسر حياتها . وهذا هو مبدأ الدفاع عن النفس .
وحقيقة إن من له كلام المسيح فله الحكمة وبالتالي فإنه سيكون في أمان ويحافظ على حياته الزمنية والروحية بأمان واطمئنان ، والأهم هو الحياة الروحية ، وبالتالي فإنه لن يطاله الإحباط في حياته الزمنية ، ولا الموت في حياته الأبدية . وإن هذا ما جعل العلامة ابن العبري يقول بضرورة البكاء على الجاهل المجرد من الحكمة لأنه ليس له كلام المسيح وبالتالي فإنه لن يكون في أمان واطمئنان لا في حياته الزمنية ولا في الأبدية . ففي حياته الزمنية فإن الإحباطات التي يُصاب بها كثيرة لا تعد ، وأما الحياة الأبدية فهو خاسرٌ لها لا محالة ، ويتحقق فيه أيضاً قول المسيح الآنف الذكر : ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه .

------------------------------------------------------------------------------------
* ان سفر ابن سيراخ هو من الأسفار القانونية الثانية غير موجود ضمن أسفار الكتاب المقدس الذي بين أيدينا في كلا العهدين القديم والجديد .
مسيحنا الله

الأب القس ميخائيل يعقوب
كاهن كنيسة مار أسيا الحكيم في الدرباسية


هــــ : 0096352711840
موبايل : 00963988650314
إيميل هوتميل : [email protected]
إيميل ياهو : [email protected]


و فوق الصليب تصرخ الحقيقة

العودة إلى “العقيدة - حلقات في علم اللاهوت”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائر واحد

cron