العقيدة (13)

الأب ميخائيل يعقوب
إداري
مشاركات: 712

العقيدة (13)

مشاركة#1 » 19 يونيو 2011 09:57

المقصد الثالث

في البراهين الكتابية التي تؤيد أن معرفة
القديسين مشركة بمعرفة الخارجين
( الفلاسفة )
وهو يقصد الفلاسفة الذين استسلموا كلياً لما بين أيديهم من نظريات ومساءل فلسفية واعتبارها مطلقة في قوتها وكأن الله غير موجود
كما أنه يقصد أيضاً بهذا العنوان أن معرفة القديسين تشترك مع معرفة الفلاسفة ، وبمعنى أوضح هناك اشتراكاً معرفياً أو قواسم مشتركة معرفية بين معارف القديسين ومعارف الفلاسفة .

البرهان الأول – القديس ديونيسيوس الأريوباغي في رسالته السابعة إلى فوليترفوس يقول له : إن من قال لافولوفنيس لفظة الجاخد ، كأنه يشتمني ويدعونني ضارب أبويه ، كمن يستعمل دون عدل عادات الوثنيين ضد بعضهم . فماذا تقول عن خسوف القمر الذي حصل وقت الصلب الخلاصي إذ كنا كلينا قريبين من بعضنا في مدينة القدس ، وواقفين معاً نتطلع إلى القمر الذي سقط باندهاش عظيم من السماء ، فلم يكن وقت التئام مجمعهم ، وكذلك قامت الشمس في مركزها المتوسط من الساعة السادسة حتى التاسعة بنوع يفوق الطبيعة . أذكره وأذكر كل شيء . أعلم أننا رأينا قد ابتدأ مجيئه من المشرق ، وبلغ حتى نهاية السماء ، ثم عادت مشت وزلم يكن سقوطها وتطهرها من جديد ، من الجهة ذاتها ، بل من الجهة التي أمامها في المركز المتوسط ، فهذه هي عجائب زماننا . وكهذه كان يُخبر القديس ديونيسيوس باستقامة ويتفرس ويتبحر في علم الفلك ( ص9- 10 ).

- ديونيسيوس الأريوباغي . كان قاضي القضاة في محفل آريوس باغوس . تتلمذ للرسول بولس ورسخَ في معرفة قواعد الإيمان المسيحي فاستحق أن يُسام أسقفاً على أثينا مدينة العلم والفلسفة . كان ذائع الصيت نظراً لقداسته وغيرته وعلومه وتآليفه . ومن قورنثية كتب سبع رسائل إلى أهل أثينا شهد فيها أنه كان أول أسقف على سدة مدينتهم ، وإن الرسالة السابعة كانت إلى الأسقف فوليترفوس . شاهد والدة الإله مرة واحدة . ختم حياته بالاستشهاد في اضطهاد دومطيانس سنة 95م ( الدرر النفيسة في مختصر تاريخ الكنيسة للبطريرك أفرام برصوم الأول ص 150 ) .
- لعل أفولوفنيس هو فلافيوس الذي قتله ابن عمه القيصر دومطيانس سنة 95م ونفى زوجته فلافيا اللذان اعتنقا المسيحية بعد أن أساء الظنّ فيهما ( الدرر النفيسة ص148 ) أو لعله الرسول بولس نفسه باسم فولوس مع إضافة نيس بحسب عادة في اللغة اليونانية التي تنهي الأسماء بـ ( نيس ، ياس ، يوس ... ) . أياً كان فإن أفولوفنيس كان ذو منزلة عالية لدى القديس ديونيسيوس الأريوباغي على الصعيد الإيمان . هذا ومن سياق الحديث يتبين أن أفولوفنيس كان يتعرض لهجوم من قبل أعداء الحق كثيراً ، وبالمقابل كان القديس ديونيسيوس من أشد أنصاره أو ربما تلاميذه .

إن القديس ديونيسيوس الأريوباغي يشدد على أهمية المعرفة في تثبيت المؤمن في إيمانه ويقدم مثلاً على ذلك في أمرين :
الأول . يشدد على معرفته بصدق أفولوفنيس إلى حد أن من يقول عنه أنه جاحد كأنه يتهم ديونيسيوس بعدم المعرفة ، وذلك لأن من يضرب أبويه هو عديم المعرفة بسبب أن واحدة من الوصايا العشر تؤكد على أهمية صون كرامة الوالدين وهي القائلة : أكرم أباك وأمك لكي تطول أيامك في الأرض ...... ( )
الثاني . إن من يستخدم عادات وأساليب الوثنية لأي غرض كان فهو عديم المعرفة ، حيث أن الوثنية تعني عبادة المخلوق دون الخالق ، ولذا فإنها عبادة فاسدة وقذرة . وقد حذّر الرسول بولس من استخدامها واستخدام وسائلها واتباع عاداتها وطرقها بأية حالة كانت أو طريقة أو لأي غرضٍ كان لأن ذلك هو إساءة لمجد الله وإشراك الوثنية مع عظمته الإلهية فقال بصيغة الاستفهام : وأيّة موافقة لهيكل الله مع الأوثان ؟ ( 2كو6: 16 ) .
أما بالنسبة لما ذكره القديس ديونيسيوس الأريوباغي عن أنه كان في مدينة القدس يوم صلب المسيح وشاهد بأم عينيه ما جرى في الطبيعة فبالتأكيد أنه كان في مقتبل العمر ، فإنه استشهد سنة 95م ، كما أن المسيح صُلِبَ في سنة 34م فيكون الفرق واحد وستون سنة ، ولذا فربما كان سنّه يتقارب مع العشرين سنة بالزيادة أو النقصان ، وهذا سنّ يجعل صاحبه تذكر ما يجري حوله وبخاصة إذا ما كان الذي يجري هو أمرٌ في غاية الأهمية كصلب رب المجد يسوع .
وبالنسبة للظواهر الغير طبيعية فهي مذكور ة في (( مت27: 45 \ مر15: 33 \ لو23: 44-45 ) فإن هذه الأناجيل تقول : ومن الساعة السادسة كانت ظلمة على الأرض إلى الساعة التاسعة فأظلمت الشمس ......... وإذا حجاب الهيكل قد انشقَّ إلى اثنين من فوق إلى أسفل ، والأرض تزلزلت ، والصخور تشققت ، والقبور تفتحت ، وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين وخرجوا من القبور بعد قيامته ودخلوا المدينة المقدسة وظهروا لكثيرين . ونلاحظ
أولاً . يصف القديس ديونيسيوس هذه الظواهر كما يلي :
- خسوف القمر .
- أظلمت الشمس بعد أن توقفت في مركزها المتوسط ( أي منتصف المسار عند الساعة الثانية عشر ظهراً )) .
- ثم تابعت الشمس مسيرها من حيث توقفت بعد توقف دام ثلاث ساعات وعادت لتنير من جديد .
وفي الحقيقة إن هذه الظواهر الغير طبيعية سبق وتنبأ عنها الأنبياء قبل مجيء السيد المسيح بكثير ، ومن تلك النبوات :
- قال زكريا : ويكون في ذلك اليوم أنه لا يكون نورٌ ، الدّراري تنقبض ، ويكون يومٌ واحد معروفٌ للرب ، لا نهار ولا ليل ، بل يحدث أنه في وقت المساء يكون نورٌ ( زك14: 6-7 ) .
- قال الرب الإله في اشعياء عن يوم الصلب : أُلبس السموات ظلاماً وأجعلُ المِسحَ غطاؤها ( أش50: 3 ) .
- جاء في سفر عاموس : ويكون في ذلك اليوم يقول السيد الرب أني أُغيِّب الشمس في الظهر وأقتم الأرض في يوم نورٍ ، وأحول أعيادكم نوحاً وجميع أغانيكم مراثي ، وأُصعد على كل الأحقاء مسحاً وعلى كل رأس قرعةً وأجعلها كمناحةِ الوحيد وآخرها يوماً مرّاً ( عا8: 9-10 ) .
التفسيــــر
إن الساعة السادسة حينذاك تقابل الثانية عشراً ظهراً في زماننا هذا . وإن الساعة التاسعة حينذاك تقابل الخامسة عشرة في يومنا هذا ( أي الثالثة بعد الظهر ) وذلك لأن الساعة الواحدة حينذاك كانت مع بداية الصباح وما يقالها اليوم هي الساعة السابعة صباحاً ، فإن ابتداء اليوم كان في نهاية الساعة 24 التي تقابل نهاية الساعة السادسة صباحاً في يومنا هذا . ولذا فإن الظلمة التي حدثت يومذاك كانت منذ الساعة الثانية عشرة ظهراً وحتى الثالثة بعد الظهر . وكانت تلك الظلمة بسبب أن الشمس توقفت عند منتصف النهار في مكانها ولم تعد تعطي النور ، كيف ذلك ؟
هذا ما لا يقدر العقل البشري على استيعابه وإدراكه لأنه خارجٌ عن النظام الكوني . وكل ما يمكن أن يُقال هو أن الله الذي خلق الشمس وأوجد لها قوانينها قادرٌ أن يتحكم بتلك القوانين كما وحينما يشاء .
ما الدلالات الروحية لتلك الظواهر الغير طبيعية ؟
- حلَّت الظلمة لتسدل الستار على حقبة كانت تسودها قيود الشيطان وسلطان الهاوية والخطية والموت . ثم ظهر نور الشمس من جديد لتعلن بدء يومٍ جديد هو مرحلة جديدة لا تسودها قيود الشيطان والهاوية والموت .
- لم يكسف اليهود من شناعة تفكيرهم وسلوكهم وأعمالهم البشعة والشريرة فانكسفت الشمس لتعبّر عن الخجل الذي كان يجب أن يظهر على اليهود بسبب طبيعتهم الفاسدة .
- تشققت الصخور لتعلن تحطم قوة إبليس اللعين الذي كان إلى ذاك الحين كصخرة قاسية تتحطم عليها القيمة الإنسانية ويذوب عليها مجد الإنسان ، وبالتالي عودة الكرامة والمجد لإنسانية الإنسان مثلما عادت الشمس إلى الإنارة والمتابعة .
- انشقّ حجاب الهيكل الذي كان يرمز سدوله الدائم إلى القطيعة التي كانت القطيعة بين الله والإنسان ( على المستوى الخلاصي ) وبالتالي كان انشقاقه تعبيراً عن زوال تلك القطيعة ، فإن أراد الإنسان العودة ليكون ابناً لأبيه السماوي فإنه يمكنه ذلك بالمسيح له المجد الذي هو الله ظهر بالجسد ، وبرهان ذلك هو أن الحجاب كان يحجب قدس الأقداس عن عيون الناس ولذا فإنه حينما انشق فإنه قدس الأقداس ظهر فبما فيه لعيون الناس . وهكذا بصلب المسيح له المجد قد انشقّ حجاب القطيعة أمام من يقبل المسيح مصلوباً فصار المسيح يقدم له أقداسه لأجل الحياة الأبدية .
- تفتحت القبور دون أن يفتحها بشرٌ ، وخرجت أجساد القديسين ، وكان ذلك إعلان كسر قيود الموت التي كانت على الطبيعة البشرية ، وهذا الكسر تمَّ بصلب المسيح وموته على الصليب .
مسيحنا الله

الأب القس ميخائيل يعقوب
كاهن كنيسة مار أسيا الحكيم في الدرباسية


هــــ : 0096352711840
موبايل : 00963988650314
إيميل هوتميل : [email protected]
إيميل ياهو : [email protected]


و فوق الصليب تصرخ الحقيقة

العودة إلى “العقيدة - حلقات في علم اللاهوت”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائران

cron