العقيدة (14)

الأب ميخائيل يعقوب
إداري
مشاركات: 712

العقيدة (14)

مشاركة#1 » 07 أغسطس 2011 09:42

المقصد الثالث
البرهان الثاني : - القديس غريغوريوس الثاولوغوس في مقاله على موت أخيه : وحينئذٍ عندما انفصلنا عن بعضنا ، إذ بقيت أنا في المدرسة بفلسطين التي كانت تزهر بمحبي الفصاحة . أما هو فعندما بلغ إلى مدينة ألكسندروس وهي حانوت كل أدبٍ كما هي الآن وكما يُنتظر منها بعد . لا يفيد الغرباء بل هو قيد لهم ، والذين امتازوا بالأعداد والحسابات والطب العجيب ، والأشياء التي تبحث عن الأمزجة والطبائع وأعراض الأمراض ، إذ عندما تُستأصل شفة الأمراض ، تُقطع أغصانها أيضاً ، فمن هو إذاً غير متعلمٍ ومخاصم ليُعطى ثانوياً كما أُعطي لذاك ، ولا يُحب ذاك إذا أحصي بعدئذٍ . فهذه الأقوال تفيد أن ملافتنا القديسين كانوا يدرسون جميع ما كان يَدرسه ويُدرِّسَه الفلاسفة الخارجيون ( ص10 ) .

نلاحظ في هذا البرهان الثاني أن ابن العبري أراد بهذا السرد أن يصل إلى أن ملافتنا القديسين كانوا يدرسون جميع ما كان يدرسه ويُدرِّسونه الفلاسفة الغير مؤمنين ، وذلك لأنهم ما كانوا يرون مانعاً في دراسة فلسفاتهم .
وفي شرحنا لهذه الفكرة سوف نركز على ما يلي :
1) الفلسفة ( منافعها – مضارها ) .
2) لماذا على الآباء والكهنة أن يقرؤوا الفلسفة كضرورة ملحّة ؟
3) حكمةٌ من أجل المؤمنين وهي أن يقرؤوا ما يريدون ولكن لا يأخذوا من كل ما يقرئون إلا ما هو مفيد .

أولاً . الفلسفة ( منافعها – مضارها ) .
لمحـــة عامة
1) تعريــف .
- الفلسفة هي شكل من أشكال الوعي الاجتماعي ، يمثّل نسقاً من المفاهيم العامة عن العالم ومكانة الإنسان فيه ، والأساس النظري لرؤية العالم .
- الفلسفة هي إنشاد الحقيقة فيما يتعلق بالله والكون والنفس البشرية ، وقوانين البحث في مسألة علاقة الفكر بالوجود ، الوعي بالمادة .
- إنها قضايا ماهية تطور المعرفة وأشكالها وقوانينها في علمي المعرفة والمنطق .
- إنها مصدر الظواهر وتطوراتها وقوانينها العامة .
- إنها علم يبحث في طبيعة الوجود الاجتماعي وقوانين تطوره العامة .
- إنها علم يبحث في الأخلاق والجمال ، ويبحث علاقة الإنسان مع الإله .

2) تؤثر الفلسفة على الحياة الاجتماعية بأنواعها . فالفلسفة الطبيعية تساعد على التقدم الاجتماعي ، أما الفلسفة الرجعية فتقف عائقاً أمامه .

3) للفلسفة تناقضاتها . فهناك تيارات فلسفية عديدة متناقضة ومتصارعة منها المذهب المادي والمذهب المثالي متصارعان . وكذلك المذهب الأخلاقي والمذهب الإلحادي متصارعان ..... إلخ .

4) كان نشوء الفلسفة في البدايات نابعاً من محاولة الإنسان إدراك علاقته بالعالم المحيط ، وطرحه أسئلة على نفسه عن أصل وعيه وجوهره ، وعن قوانين تغيّر ظواهر الطبيعة والحياة الاجتماعية . ومن ذلك فإن ظهور الفلسفة أول ما كان إنما في المجتمع العبودي حينما اتسع نطاق تأثير الإنسان على الطبيعة ، وصار العمل الذهني ينفصل عن العمل الجسدي ، وصار الإنسان يشعر بالظلم والغبن .
5) ارتبط تطور الفلسفة ارتباطاً وثيقاً بالدين وبالعلم .
- بالدين فلأنها ما استطاعت أن تحلَّ مشاكلها جيداً حلولاً جذرية ، بالإضافة إلى أنها كانت تُدرك موضوعها في صور حسيّة ملموسة فقط مع الافتقار إلى طريقة تجسيد تلك الصور الحسيّة ، فجاء الدين وحلَّ لها هذه المعضلات . وأضرب مثلاً عن ذلك وهو أن الفلسفة كانت مقتنعة تماماً بأن العبد هو مثل السيد ولكن لماذا وكيف ؟ حيث أن السبب الحقيقي والكيفية الحقيقية كانا مجهولين لديها فجاء الدين وحلّ لها هذه المعضلة لأنه قدّم السبب الحقيقي الذي يجعل العبد كسيده ، وقدّم الكيفية الحقيقية لذلك ، وأما السبب فهو القيمة الإنسانية التي لأجل كرامتها وُجِدَ الدين ، وأما الكيفية فهي تنازل السيد من برجه العاجي وخروجه عنه فيرى والحالة هذه نفسه أنه ليس بأعظم من الذي يراه عبداً . وهذا يُذكّرنا بحديث للسيد المسيح له المجد عن هذا النوع من التباين الذي أوجد السيد وأوجد العبد أيضاً من ناحية ، ومن ناحية ثانية وُجِدَ المعلم الذي لا يرى إلا نفسه معلماً وأن التلميذ فهو تلميذ مهما صار وعلا ، ومن ناحية ثالثة وُجِدَ العبد الذي يكره السيد ويريد أن يكون أعظم منه لينتقم منه ، وكذلك التلميذ الذي يريد أن يكون أعظم من معلمه كي يستصغره ، وهذا كله قاد إلى مقاومة القيم الإلهية وعدم العمل بها فقال له المجد : ليس التلميذ أفضل من معلّمه ولا العبد أفضل من سيده ، يكفي التلميذ أن يكون كمعلمه والعبد كسيده ( مت10: 24 ) وبذلك فإن ربنا له المجد حلّ المعضلة التي واجهت الفلاسفة وأضاف إلى هذا الحل الشرعية الملازمة لطموح الإنسان التلميذ أن يكون معلماً مثل معلمه ، والعبد أن يكون سيداً كسيده . وبالطبع فالمعنى ليس حرفياً فقد يكون المعلم استاذ مدرسة والتلميذ يُصبح بروفيسوراً في أحدى الاختصاصات العلمية ، ولكن يظل المعلم معلماً ، والبروفيسور هو أيضاً معلمٌ ، فإن فارق المسافة العلمية لا يعطي أفضلية في القيمة الإنسانية للتلميذ الذي تفوق على معلمه الذي ظل في حجمه العلمي الأول . وهكذا أيضاً العبد بالنسبة إلى السيد ، وإن دافع المسيح إلى ذلك هو محبته العارمة للإنسان الذي خلقه معطياً إياه قيمة إنسانية لا يجب الإساءة إليها ولو أن الإنسان أساء إلى إنسانيته . وهذا كله يذكرنا أيضاً بقوله له المجد : لا أعود أسميكم عبيداً لأن العبد لا يعلم ما يعمل سيده ، لكني سميتكم أحباء لأني أعلمتكم بكل ما سمعته من أبي ( يو15: 15 ) .
- بالعلم . فلأن أسباب نشوئها لاسيما ما يتعلق بالطبيعة وقوانينها وتبدلاتها كان صعباً جداً على ذهن الإنسان ووعيه العقلي منذ البداية ، فجاء العلم وذلل لها هذه الصعوبة من خلال قوانينه ومبادئه ونظرياته العلمية .
وهكذا بارتباط تطورها بالدين والعلم صارت الفلسفة أداة لحل وتذليل ما يصعب على الإنسان وفهمه ويعترض سبيله الحياتي .

6) فيما بعد صارت الفلفسة في بعض مذاهبها تبتعد عن الدين أكثر فأكثر من حيث الشكل والمضمون إلى أن وصل إلى حدّ التحرر من الدين في تلك المذاهب وبالأخص مذهبي المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية اللذان يستندان إلى مجمل تجربة معرفة العالم وتحويره ، وتركّز بالأخص في المذهب المادي إلى تعميم تجربة الحياة الاجتماعية والمعرفية والعلمية . بينما ظلّت الفلسفة في مذاهب أخرى تحتفظ بصلاتها بالدين ومنها المذاهب المثالية والأخلاقية .
وفي الحقيقة إن الفلسفة أولاً وأخيراً بكل مذاهبها لا تزال هي محاولة تصيب أحياناً وتخيب أحياناً أخرى . والسبب في ذلك أنها تعتمد في قوانينها العقل فقط ، حيث أن عقل الإنسان محدود وإن محدوديته تجعله قاصراً عن إدراك كامل الحقيقة مهما كان جباراً ذو قدرة نافذة وذكاء فائق ، وبالتالي فإنه مهما كان ذو قدرة نافذة وذكاء فائقٍ فإنه غير قادر أن يحيط بكامل جوانب الحقيقة .
وبالإجمال إن الحديث عن الفلسفة أولاً وأخيراً في إطار تعريفها ونشوئها وتطورها وتعدد مذاهبها يطول كثيراً ، حيث لسنا الآن بصدد الإسهاب في المسائل الفلسفية إنما أنهي هذه الفقرة بالقول : إن العبري أراد أن يبرهن بهذه المسألة على صحة دراسة الفلسفة أو الاطلاع عليها لاقتناء المعرفة لأكثر من غاية منها :
- اقتناء أسلوب الغوص الناجح في القضايا الاجتماعية .
- التركيز الصحيح في النظرة إلى الله والكون والنفس البشرية .
- نجاح وضع النقاط على حروف علاقة الإنسان مع خالقه .

منافع الفلسفة .
هناك إجماع لدى العلماء والمفكرين بأن الفلسفة تُعدّ أرقى المعارف والعلوم ، ولذلك فإن الإلمام بها يجب أن يكون في مقدمة الأولويات . وأما أنها أرقى المعارف والعلوم فلأنها :
1) تستخدم أرقى الملكات العقلية لدى الإنسان .
2) تبحث في المسائل الرئيسية والمبادئ العامة دون التفاصيل المادية التي تبحث فيها العلوم المختلفة .
ومن ذلك فإن دراسة الفلسفة تُغني إلى حدٍّ كبير عن دراسة الكثير من العلوم الأخرى من ناحية ، ومن ناحية ثانية تسهّل البحث في جميع العلوم ، وذلك لأنها أكثر تشغيلاً للفكر من دراسة باقي العلوم ، وبالتالي فإن من يدرس الفلسفة فبإمكانه أن يدرس معظم العلوم الأخرى بسهولة بينما العكس ليس صحيحاً تماماً .
يعرّف الفيلسوف الفرنسي سبنسر الفلسفة بإنها جماع ( اجتماع ) جميع العلوم ، فهي تركيب للمعارف الإنسانية يكتمل ويتوثّق بتقدم العلوم الفرعية التي تجمعها الفلسفة في أحضانها . فكأن دراسة الفلسفة هي دراسة للتركيب العام لجميع العلوم ، ولهذا فهي أغنى وأخصب للفكر العام وأنسب لقادة الفكر من دراسة سائر العلوم .
إذاً إن من أهم منافع الفلسفة هي اكتساب المهارات اللازمة لدراسة سائر العلوم . وفي الحقيقة إن أهم العلوم التي تهمّ المؤمن مباشرة في حياته حتى مماته هي ما يتعلق بحياته الاجتماعية بكل اتجاهاتها . ولذا فإن أهمية دراسة الفلسفة أو على الأقل الاطلاع الجيد عليها يفيد الإنسان جداً في اكتساب المعارف والمهارات والخبرات ليتكيّف في حياته بسائر اتجاهاتها وبالأخص القائد أياً كان هذا القائد . ومن القادة القائد الديني الذي بسبب كونه عنصراً أساسياً في توجيه رعاياه روحياً – أخلاقياً – إنسانياً – اجتماعياً – وطنياً ...... إلخ

مضار الفلسفة
مع أن الفلسفة نافعة عامة ولكن على وجه التخصيص هناك مضار كثيرة لها يجب تجنبها ، وإن هذه المضار تتمثّل في جملة المبادئ الفلسفية اللاغية للقيم .
هذا وبما أن للفلسفة مذاهب عديدة لذا وعلى وجه التخصيص نجد أن تلك المذاهب منها ما هو نافعه ومنها ما هو ضار . فإنك تجد في المذاهب النافعة مبادئ نافعة ، كما تجد في المذاهب الضارة مذاهب ضارة وهدّامة للقيم . وإذا ما كان هناك اتفاق بين مختلف المذاهب الفلسفية إنما في أسلوب البحث والنقاش وعرض النتائج فقط وهذه ليست قاعدة عامة حيث من المذاهب ما له أسلوبه الخاص . وكإثبات على أن من المذاهب ما هو ضار أذكر المذهب الوجودي مثلاً ، وإليك عزيزي القارئ فكرة مختصرة عن هذا المذهب .
إن للوجودية أسلوباً رئيسياً في طرح الأفكار والمسائل ألا وهو الأسلوب الغير مباشر الذي يعتمد السرد الخيالي بشكل حكاية مثلاً ، وحجتهم في ذلك أن الفكر الوجودي لا يمكن نقله إلى الناس مباشرة على طريقة أي علم آخر لذا فلابد من اصطناع الأدلة والبراهين من الخيال لتقديمه للناس . وإن هذه الحجة برأيي أدت إلى نشوء اتجاهات عديدة للمذهب الوجودي تتباين فيما بينها مع احتفاظها بالقاسم المشترك ألذي هو أن الأولوية في البحث هو الوجود بالمعنى المادي ، أي أن وجود ما هو موجود يجب أن يكون خاضعاً لحواس الإنسان خضوعاً مادياً . وبالتالي فليس مسموحاً للعقل بالتدخل ، لأنه إن تدخل فسوف يُقحم على الوجودية منطقاً ليس من ذاتها .
ومن ذلك فإن الوجودية إذاً هي إلغاء للمنطق العقلي بكل طرقه من ناحية ومن ناحية أخرى هي إلغاء لله الذي لا يُدرك على الطريقة المادية . وإن هذه النتيجة خطيرة جداً على حياة الإنسان الزمنية ، والأبدية على الشكل التالي :
1) على حياة الإنسان الزمنية فلأنه إن تغيَّب تحكم العقل في حياة الإنسان فإنه يتحوّل إلى حيوان في شكل بشري ، فإن هذا ما سيفرض عليه ممارسات حيوانية لا إنسانية بينما وُجِدَ الإنسان لكي يمارس حياة إنسانية بكل أبعادها .
2) الأبدية . لأن الإنسان إن اعتبر أن الله غير موجود فإن ذلك سوف يحرمه الخلاص في الحياة الأبدية في ملكوت الله .
ومن ذلك فإن كتابنا المقدس يحذرنا حقيقة من الفلسفات الضارة ، وفي ذلك أذكر منه بعض الأقوال التي تؤكد هذا التحذير :
1) يقول ربّ المجد يسوع : احترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب الحملان ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة ( مت7: 15 ) حيث أن الأنبياء الكذبة هم الذين يستخدمون فلسفات مصطنعة ضارة لتقديم تعليم كاذبٍ مخالفٍ لروح تعاليم الله في الكتاب المقدس .
2) يحذرنا الله في الكتاب المقدس من أيّة فلسفة لا تقودنا إلى معرفة الله وفهم أن سلامة الإنسان بشموليتها إنما هي عند الله ، إذ يقول تبارك اسمه في سفر ارميا النبي : لا يفتخرنّ الحكيم بحكمته ، ولا الجبار بجبروته ، ولا يفتخرنّ الغني بغناه ، بل بهذا ليفتخرنّ المفتخر بأنه يفهم ويعرفني أني أنا الرب الصانع رحمة وقضاءً وعدلاً في الأرض لأني بهذا أُسرّ يقول الرب ( ار9: 23-24 ) .
3) ويُنبّه الرسول بولس أيضاً إلى ضرورة اليقظة كي لا ينخدع الإنسان بالفلسفات العالمية وبالأخص الضارة منها إذ يقول عن المسيح له المجد : المذّخر فيه جميع كنوز الحكمة والعلم ، وإنما أقول هذا لئلا يخدعكم أحد بكلامٍ ملقٍ ( كو2: 3-4 ) .
4) أكّد الرسول بولس أن ما علّم به سوف يواجه اعتراضات وافتراءات واتهامات باطلة من الشيطان الذي سوف يستخدم علماء وفلاسفة العالم من أجل إفشال رسالة الخلاص التي عنده . فكل ما لا يتفق مع التعليم الإلهي من شأنه أن يسبي المؤمن إلى الهلاك ، وكل ما يتفق مع التعليم الإلهي من شأنه أن يرفع الإنسان إلى تعاليم الله من أجل الخلاص فيقول : انظروا أن لا يكون أحد يسبيكم بالفلسفة وبغرور باطل حسب تقليد الناس وليس حسب المسيح ، فإنه فيه يحلّ ملء اللاهوت جسدياً ( )
5) ولنا مثال عن جهل من يعمل بالفلسفة البشرية المحضة وبأركان العالم وإنه أعمى البصيرة . وهذا المثال نجده في أعمال الرسل حيث مكتوب عن الرسول بولس حينما كان يمشي في أثينا يتكلم ويكرز مبشراً ، فقابله قوما من الفلاسفة الأبيكوريين والرواقيين وهم يقولون بعضهم لبعض : ترى ما يريد هذا المهذار أن يقول ؟ ( أع17: 18 ) . فنلاحظ أنهم بداية وصفوه بالمهذار ( أي كثير الكلام التافه ) إذ كان الأجدر بهم كفلاسفة أن يطلبوا الاستماع إليه قبل أن يصفوه بصفة لا تليق أن تخرج من فم فيلسوف .
6) وفي رسالته إلى فيلبي يقول الرسول بولس أيضاً : وهذا أصلّيه أن تزداد محبتكم أيضاً فأكثر في المعرفة وفي كل فهم حتى تميّزوا الأمور المتخالفة لكي تكونوا مخلصين وبلا عثرة إلى يوم المسيح ، مملوءين من ثمر البر الذي بيسوع المسيح لمجد الله وحمده ( في1: 9-11 ) .
8) وأخيراً إن الرسول بولس لم يمانع من الاطلاع على أيّ فكرٍ أم مذهب فلسفي .... إلخ بل وجّه إلى ضرورة الأخذ بما هو نافع إذ قال : امتحنوا كل شيء وتمسكوا بالحسن ( تس5: 21 ) .

ثانياً . لماذا على الآباء الكهنة أن يقرأوا الفلسفة كضرورة ملحّة ؟
الجـــواب
في الحقيقة إن قراءة القائد الديني الفلسفة هي ضرورة ملحّة في عصرنا هذا الذي تعددت فيه الاتجاهات والتيارات السياسية والثقافية والاقتصادية وغزو العولمة ...... التي لكل منها أيديولوجيته وفلسفته وقواعده ، وصار الناس ومنهم المؤمنين يتوزعون فيما بينها يعملون بأيديولوجياتها وفلسفاتها وقواعدها . وبما أن الأب الكاهن هو قائد ديني للمؤمنين الذين يتوزعون بين هذه الاتجاهات والمذاهب فلذا فضرورة أن يكون متطلعاً على الفلسفة هي ضرورة ملحة كي يتعلم منها الأساليب التي تنفع فلان أو فلان أو فلان من المؤمنين حتى يوصل إليها كلمة الله ومعانيها وكي يتعلّم كيفية استخدام الحجة الدينية في إقناع من هو مخطئ للعودة عن خطأه ، وإقناع الخارج للعودة إلى حظيرة الإيمان . وإن هذا كله هو ما نستدله من التعرّف إلى منافع الفلسفة للعقل والدين .
منافع الفلسفة للعقل
في الحقيقة ليس بين العلوم ما يعود على العقل بالنفع قدر ما تعود به الفلسفة . وبما أن تعامل القائد الديني هو مع الفكر الخلاصي من أجل إيصاله سليماً إلى عقول المؤمنين ، لذا فإن دراسته للفلسفة تسهّل عليه مهمته كثيراً ، وإن هذا التسهيل هو ما ينتج عن الفوائد التي تقدمها الفلسفة للعقل أذكر منها :
1) تمنح الفلسفة العقلَ قوة التفكير العميق .
تستأثر الفلسفة بأسمى ملكات العقل وتنشطها ، تجهدها وتستغلها أعمق استغلال ، وهذا الملكة هي ملكة التفكير المتواصل والعميق للعقل ، وإن تنشيط هذه الملكة يؤدي إلى ازدياد قدرة العقل على التفكير والبحث المركّز في مجالات المدركات العقلية عامة . وبما أن دراسة اللاهوت وشرح وتفسير كلمة الله تعتمد كثيراً ملكات العقل عامة ، لذا فإن دارس الفلسفة يتأهب لدراسة اللاهوت . وهذا ما يفسّر انتشار دراسة الفلسفة في المدارس والكليات الكنسية قديماً ، حيث كانت دراسة الفلسفة تسبق دراسة اللاهوت .
2) الفلسفة تصقل العقل .
بعد أن يكتسب العقل بالفلسفة قوة على التفكير العميق فإنه يتمرّن بذلك على حلّ المشكلات وفك المعضلات وكشف الغوامض وتحديد المبهمات . وبذلك أيضاً يسهل عليه التفكير في سائر الأمور العويصة ويُصبح أكثر استعداداً وأقدر على التحليل والتركيب والاستنتاج والتعليل والقياس . بالمختصر يُصبح العقل قادراً على القيام بوظائفه دون ارتباك أو تعثّر وبكل السهولة . تماماً مثل قطعة الخشب الخشنة التي إن مررت يدك عليها فتجرحها بسبب خشونتها ، وإن هذه الخشونة تمنع الخشبة من القيام بالكثير من وظائفها ، ولكن ما أن يمرر عليها النجار آلة الصقل حتى تستطيع أن تمرر يدك عليها دون أن تجرحها فتعلم أنها أصبحت قادرة على القيام بكل وظائفها المطلوبة منها كخشبة . وفي الحقيقة إن القائد الديني الذي ليست له العقل الفلسفي المصقول فإنها لا بد وأن يجرح سامعيه بكلامٍ غير مصقول أي غير موزون ولا مركب تركيباً منطقياً سليماً وبالتالي فقد يكون جافاً قاسياً ، ولذا فإن دراسته للفلسفة هي ضرورة كي يكتسب عقلاً مصقولاً يستطيع به أن يقود تابعيه بكل الحكمة والمحبة ودون المساس بمشاعرهم وعواطفهم ولا خصوصياتهم .
3) تُكسب الفلسفة العقل دقة في البحث .
مثلما تمتاز الفلسفة بالعمق تمتاز أيضاً بالدقة . ولذلك فإن عقل دارس الفلسفة يكتسب العمق والدقة . وإن الدقة المقصودة تتجلى في تحديد الألفاظ والمدركات والمعاني من ناحية ، ومن ناحية ثانية تتجلى في الحذر والتثبّت من كل خطوة قبل الانتقال إلى غيرها ، ومن ناحية ثالثة تتجلى في عدم الخلط بين الألفاظ بل في المقدرة على تحديد المعاني تحديداً موافقاً تماماً بحيث لا يكون اللفظ أوسع من المعنى ولا مخالفاً له . ومن هنا جاءت دراسة القائد الديني للفلسفة ضرورية أكثر من دراسة أي إنسان للفلسفة ، والسبب في ذلك هو أن القائد الديني يتكلم بكلمة الله ، فإن أخطأ في كلمة الله فإنه ينحرف عن طريقها ويحرف معه رعيّته أيضاً ، وإن هذا ما يفرض عليه أن يكون شرحه لكلمة الله شرحاً وافياً فيه دقة في اختيار الألفاظ المناسبة لكلمة الله ، ودقة في إظهار معانيها ، ودقة في التثبت في كل مرحلة من مراحل تدرجها إلى الخلاص ، ودقة في الثبات في المعاني دون الخلط بينها ، ودقة أيضاً في أن يكون معنى كلمة الله أوسع بما لا يُقارن من لفظها ( أي حرفيتها ) .
4) تربي الفلسفة ملكة النقد الصحيح لدى العقل .
نشب صراع فكري كبير بين الفلاسفة في شتى المجالات الفكرية وهذا ما أدّى إلى أن نشأ بينهم اتفاقاً في بعض النواحي الفكرية واختلافاً في بعضها الآخر ، وهذا ما أدّى بدوره بالعقل إلى اخيار هذا المذهب الفلسفي دون ذاك بحسب درجة تربيته ثم تأثره ، ما جعل العقل عاملاً نشيطاً أساسياً في وزن الفكرة وتمحيصها ليرى ما فيها من الصواب ومن الخطأ ، وهذا بدوره ما أوجد لدى المفكرين والدارسين والقرّاء مبدأ النقد للإشارة إلى الخطأ أو الصواب ، وبالتالي ضرورة تقويم الخطأ وترسيخ الصواب .
وفي الحقيقة إن على القائد الديني أن يكون ناقداً ناجحاً إلى جانب كونه ناقلاً . كيف ذلك ؟
أولاً . كونه قائد ديني مؤتمن على كلمة الله لا يجوز أن يضيف إليها تعليماً غريباً ولا أن يُنقص منها تعليماً . وبالتالي فهو ناقل للتعليم من عند الله في الكتاب المقدس إلى المؤمنين شارحاً ومفسراً إياها لهم وموجهاً ومرشداً لهم بحسبها ، مثبتاً لهم بحسب أصولها ، ومعزياً لهم بحسب مكافآتها .
ثانياً . يجب أن يكون ناقداً . لأنه ليس جميع المؤمنين في سوية واحدة من الإيمان العامل بامحبة من ناحية ، ومن ناحية ثانية حتى المؤمنين العاملين دوماً بوحي الإيمان لابد وأنهم يُخطئون أحياناً ، وبالتالي فعلى القائد الديني أن ينقد المؤمن المخطئ نقداً بنّاءً داعياً إياه إلى إصلاح أخطائه بحسب كلمة الله ويقدم له طريقة الإصلاح . وهذا يتطلب منه معرفة الأساليب الصحيحة للنقد وأن تكون لديه خاصية النقد البنّاء . وإن أفضل علمٍ يستدلّ منه إلى تلك الأساليب وخاصية النقد البنّاء هو علم الفلسفة من خلال المسألة الفلسفية الهامة محاكمة الأفكار والرؤية النافذة .
وأما عن وجوب كون القائد الديني ناقداً إلى جانب كونه ناقلاً فهذا ما نتعلّمه من يوحنا الرسول الذي وجّه نقداً صحيحاً لليهود الذي لم يقبلوا المسيح مع أنه كان عليهم أن يكونوا أول من يقبل المسيح له المجد إذ قال في الأصحاح الأول من إنجيله ، أي قبل أن يكون ناقلاً لكلمة اله قدّم نفسه ناقداً نقداً بنّاءً إذ قال عن المسيح : إلى خاصّته جاء وخاصته لم يتقبله ( يو1: 11 ) .
5) ترشد الفلسفة العقل إلى اكتشاف المغالطات والتجاوزات بسهولة ودقة .
إن الأغلاط أو المغالطات هي أحد العناوين في علم المنطق ، وفرعٌ من فروع الفلسفة . وبالتالي إن دراسة الفلسفة تجعل المرء متخصصاً في كشف الأغلاط والأخطاء التي يقع فيها الناس بأية طريقة أو حالة أو نوعية كانت ، وبالتالي أيضاً تجعل الدارس لا ينساق إلى أي قياسٍ ولا ينخدع بأي قولٍ كان .
ومن هذا المنطلق إن القائد الديني هو بحاجة إلى دراسة الفلسفة كي يتخصص في كشف الأغلاط والأخطاء التي يقع فيها المؤمنين بقصدٍ أو دون قصد ، لاسيما أن هناك أغلاطاً وأخطاءً يقع فيها المؤمنين وهم لا يعلمون أنها أغلاط وأخطاء. ومن ناحية ثانية يكتسب إلى جانب التخصص في كشف الأغلاط والأخطاء المهارة في التصدي لخصوم الحق من الخارجين عن الإيمان مثلاً ، وإظهار تفاهة أدلّتهم ، وفضح أساليب هجومهم . وهذا ما يقود إلى القول أنه في دراسة علم اللاهوت لاسيما علم اللاهوت الجدلي يلزم اللجوء إلى الفلسفة من أجل اكتساب المهارات الآنفة الذكر .

دراسة الفلسفة نافعة للدين لأنها خادمة له .
كانت هناك فكرة تقول أن الفلسفة عدوة للدين . وفي الحقيقة إن المذاهب المادية وما يدور في فلكها من مذاهب أخرى هي عدوة له ، وأما المذاهب الأخرى فليست هكذا . ولكن في كل الأحوال تسخير الفلسفة لأجل خدمة الدين وبالتالي جعلها خادمة له وتحديداً عن طريق الاستفادة من أساليبها التي تجعل العقل متدرباً على الإقناع . وإن هذه ضرورة ملحة تظهر أهميتها من أن هناك في كل زمان ومكان شريحة من المؤمنين ضعيفي الإيمان والاعتقاد ، وإن هؤلاء ما أن يعترض إيمانهم ومعتقدهم عارضٌ معاكس أيا كان نوعه أو حالته أو طريقته حتى يعتورهم الشك ، أو على الأقل يفتر فيهم عزم العبادة . ولذا فإن كان عقل القائد الديني مكتسباً مهارات الإقناع فإنه يُصبح كالطبيب المُسعف فيشفيهم من ذلك .
هذا ومثلما ذكرنا أن هذه المهارات يكتسبها القائد الديني من دراسة الفلسفة لذا فإنه في هذه الحالة يجعل الفلسفة خادمة للدين ، ولنا في ذلك مثال وهو الرسول بولس الذي مع أنه أعلن أنه لا يتكلم مع الناس بأدلّة الفلسفة لئلا تتحول ديانة المسيح إلى مذهب فلسفي وتختفي قوة الروح القدس في إقناع العقول وإشباع النفوس ، إلا أننا لا نستطيع أن ننكر أن أسلوب الرسول بولس في الكرازة والكتابة كان أسلوباً فلسفياً رائعاً وهذا ما جعل الدارسين والمختصين أن يلقّبوا الرسول بولس بلقب فيلسوف المسيحية . وحقيقة إن هذا اللقب لا أحد ينكره عليه ، حيث أن من يقرأ رسائله بتمعن سوف يلمس فيها الأسلوب الفلسفي وهذا ما أشار إليه الرسول بطرس بقوله : واحسبوا أناة ربنا خلاصاً كما كتب إليكم أخونا الحبيب بولس بحسب الحكمة المعطاة له كما في الرسائل أيضاً متكلماً فيها عن هذه الأمور التي فيها أشياء عسرة الفهم يحرّفها غير العلماء وغير الثابتين كما في الكتب أيضاً لهلاك أنفسهم ( 2بط3: 15-16 ) .
وفي الحقيقة إن التأمل في شخصية الرسول بولس يكشف أحد أهم أسباب اختيار الرب له ليكون إناء مختاراً يحمل اسمه أمام أمم وملوك وبني إسرائيل ( أع9: 15 ) وهو أنه كان فيلسوفاً ، حيث أن المقصود بالأمم هم الأمم الأوربية التي كانت وثنية من ناحية ومن ناحية ثانية إنها كانت تتناول الفلسفة في حياتها يومياً مثل تناول الطعام . والمعنى أن اختراقها كان يتطلب كارزاً يأخذ بالأساليب الفلسفية ، وهذا ما نجده مثلاً في مخاطبته الناس في وسط آريوس باغوس إذ قال بأسلوب الفلسفة المُقنع : أيها الرجال الأثينيون أراكم على كل وجه كأنكم متدينون كثيراً لأنني بينما كنت أجتاز وأنظر معبوداتكم وجدت أيضاً مذبحاً مكتوباً عليه لإله مجهول ، فالذي تتقونه وأنتم تجهلونه هذا أنا أنادي لكم به الإله الذي خلق العالم وكل ما فيه إذ هو ربّ السماء والأرض لا يسكن في هياكل مصنوعة بأيادي الناس كأنه محتاج إلى شيء إذ هو يعطي الجميع حياةً ونفساً وكل شيء ( أع17: 22-25 ) . وإذا ما سطلنا الضوء على هذا النص قليلاً فإننا سوف نجد الأسلوب الفلسفي المتحلي بالمهارات العقلية العميقة لإقناع العقول وإشباع النفوس :
1) إن ذلك الإله المجهول كانت له أهمية كبيرة عندهم نابعة من أنهم كانوا يجهلونه .
2) إنه ابتدأ خطابه بداية عقلية تُعطي أهمية للمُخاطَب بقوله : أيها الرجال ...
3) أكّد أنه عرف عنهم أنهم متدينون في عبادتهم وينعكس تدينهم على تعاملهم كيفما تعاملت معهم بقوله : أراكطم على كل وجه كأنكم متدينون كثيراً . كما أكّد لهم أن معرفته هذه قد بناها على الاستنتاج العقلي من خلال ملاحظته معابدهم التي كانت تعجّ بالمذابح بقوله : بينما كنت أجتاز في معبوداتكم .....
4) استغل فلسفياً المذبح الذي مكتوباً عليه " لإله مجهول " كي يبشّرهم بالإله الحقيقي الذي يرمز إليه ذلك الإله المجهول بقوله : بينما كنت مجتازاً وأنظر معبوداتكم وجدت مذبحاً مكتوباً عليه لإله مجهول فالذي تتقونه وأنتم تجهلونه هذا أنا أبشركم به . ومن هذا القول أنطلق بولس يبشرهم بالمسيح كما يلي :
- استخدمَ أسلوب التشويق العقلي فلسفياً ( وهو ما يُسمى بعملية استفزاز العقل كي يٍُسرع إلى المعرفة ) لتعريفهم إلى ذلك الذي كانوا يعبدونه وهم يجهلونه بقوله : فالذي تتقونه وأنتم تجهلونه هذا أنا أنادي لكم به .
- استخدمَ فلسفياً أسلوب تعظيم الهوية الشخصية للجماعة بأنهم وإن كانوا يجهلون الإله الحق كجماعة لها شخصيتها المميزة إلا أنهم ما كانوا يعبدونه إلا لأنهم كانوا يعلمون أنه هو الإله خالق السماء والأرض ولا يسكن في هياكل من صنع البشر بقوله عنه : الإله الذي خلق العالم وكل ما فيه إذ هو ربّ السماء والأرض لا يسكن في هياكل مصنوعة بالأيادي .
- استخدم فلسفياً أيضاً أسلوب المدح المضمّنَ في الحديث . حيث مدحهم بأسلوب غير مباشر بأنهم يعلمون أن هذا الإله المجهول الذي هو الإله الحقيقي هو أعظم من أن يُخدم بأيادي الناس ، وهو أعظم أيضاً من أن يكون محتاجاً ، بل هو الإله المانح الحياة بقوله : ولا يُخدم بأيادي الناس كأنه محتاجٌ إلى شيء إذ هو مانح الجميع حياة ونفساً وكل شيء .

وهكذا وجدنا ضرورة دراسة القائد الديني للفلسفة من أجل تسخير أساليبها ومهاراتها وطرق بحثها في خدمة الدين . وللمسيح المجد إلى الأبد آمين .
مسيحنا الله

الأب القس ميخائيل يعقوب
كاهن كنيسة مار أسيا الحكيم في الدرباسية


هــــ : 0096352711840
موبايل : 00963988650314
إيميل هوتميل : father.michel@hotmail.com
إيميل ياهو : father_michel_jacob@yahoo.com


و فوق الصليب تصرخ الحقيقة

العودة إلى “العقيدة - حلقات في علم اللاهوت”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائر واحد