" بحث في تاريخ السومريون  "
عن مجلد " قصة الحضارة - الجزء الأول - الشرق الأدنى "
للمؤرخ ول ديورانت 1935

 


 

 


 

العودة إلى صفحة بحوث ودراسات سريانية

لتحميل البحث كملف PDF اضغط هنا

     

         

          البحث :
1- السومريون :
                - الكشف عن أرض سومر و جغرافيتها - تاريخهم
                - أهلها وجنسيتهم و مظهرهم - لباسهم
                - الطوفان السومري
                - الملوك مصطلح قديم
                - سرجون ملك أكاد يُحرر أور السومريين
                - نارام سين - جوديا المستنير
                - حمورابي العظيم من بابل يستعيد أوروك وإيسين
                - عصر أور الذهبي.  
2- الحياة الاقتصادية : الزراعة , الصناعة , التجارة - طبقات الناس .
3- نظام الحكم الملوك - الخطط الحربية - أمراء الإقطاع - القانون.
4- الدين والأخلاق في سومر
5- الآداب والفنون : الكتابة المسمارية الهياكل والقصور - صناعة التماثيل - صناعة الفخار - الحلي - كلمة موجزة عن المدينة السومرية.
6- الانتقال إلى مصر و أثر السومريين فيها
7- لمحة عن المؤرخ ويل ديورانت
 

 

 

 

 

 

 

 

 

- الكشف عن أرض سومر وجغرافيتها :

إذا عدنا إلى خريطة الشرق الأدنى وتتبعنا المجرى المشترك المكون من نهري دجلة والفرات من مصبه في الخليج الفارسي إلى أن ينفصل المجريان "عند بلدة القرنة الحديثة"، ثم تتبعنا نهر الفرات متجهين إلى الغرب، وجدنا في شماله وجنوبه المدن السومرية القديمة المطمورة هي : إريدو "أبوشهرين الحديثة" وأور "المُقَيَّر الحديثة" وأورك "وهي المسماة إرك في التوراة والمعروفة الآن باسم الوركاء" ولارْسا "المسماة في التوراة باسم إلاسار والمعروفة الآن باسم سنكرة" ولكش "سيبرلا الحديثة" ونبور "نفر". تتبع بعدئذ نهر الفرات في سيره نحو الشمال الغربي إلى بابل التي كانت في يوم من الأيام أشهر بلاد الجزيرة "أرض ما بين النهرين" تجد إلى شرقها مباشرة بلدة كش مقر أقدم ثقافة عرفت في هذا الإقليم، ثم سر بعدئذ مع النهر صعدا قرابة ستين ميلا حتى مقر أجاد قصبة مملكة أكد في الأيام الخالية. ولم يكن تاريخ أرض الجزيرة القديم من إحدى نواحيه إلا صراعا قامت به الشعوب غير السامية التي تسكن بلاد سومر لتحتفظ باستقلالها أمام الهجرات السامية والزحف السامي من كش وأجاد وغيرهما من مراكز العمران الشمالية. وكانت هذه الأجناس المختلفة الأصول في خلال هذا الصراع تتعاون دون أن تشعر بتعاونها- ولعلها كانت تتعاون على الرغم منها- لتقيم صرح حضارة هي أول ما عرف من حضارة واسعة شاملة فذة، وهي من أعظمها إبداعا وإنشاء .

- سلالة السومريون :
وليس في وسعنا رغم ما قام به العلماء من بحوث أن نعرف إلى أية سلالة من السلالات البشرية ينتمي هؤلاء السومريون، أو أي طريق سلكوه حتى دخلوا بلاد سومر. ومن يدري لعلهم جاءوا من آسيا الوسطى أو من بلاد القفقاس أو من أرمينية واخترقوا بلاد ما بين النهرين من الشمال مُتتبعين في سيرهم مجريي دجلة والفرات- حيث توجد- كما في أشور مثلا شواهد دالة على ثقافتهم الأولى.
أو لعلهم قد سلكوا الطريق المائي من الخليج الفارسي- كما تروي الأساطير- أو من مصر أو غيرها من الأقطار، ثم اتخذوا سبيلهم نحو الشمال متتبعين على مهل النهرين العظيمين. أو لعلهم جاءوا من السوس حيث يوجد بين آثارها رأس من الإسفلت فيه خواص الجنس السومري كلها. بل إن في وسعنا أن نذهب إلى أبعد من هذا كله فنقول إنهم قد يكونون من أصل مغولي قديم موغل في القدم.
ذلك بأن في لغتهم كثيراً من التراكيب الشبيهة بلسان المغول . لكن علم هذا كله عند علام الغيوب.

- أهلها وجنسيتهم – مظهرهم :
وتدل آثارهم على أنهم كانوا قصار القامة ممتلئ الجسم، لهم أنوف شم مصفحة ليست كأنوف الأجناس السامية، وجباه منحدرة قليلا إلى الوراء، وعيون مائلة إلى أسفل. وكان كثيرون منهم ملتحين، وبعضهم حليقين، وكثرتهم العظمى يحفون شواربهم .

  [ إلى الأعلى ]

- لباسهم :
وكانوا يتخذون ملابسهم من جلود الغنم، ومن الصوف المغزول الرفيع، وكانت النساء يسدلن من أكتافهن اليسرى مآزر على أجسامهن، أما الرجال فكانوا يشدونها على أوساطهم ويتركون الجزء الأعلى من أجسامهم عارياً. ثم علت أثواب الرجال مع تقدم الحضارة شيئاً فشيئاً حتى غطت جسمهم كله إلى الرقبة.
أما الخدم رجالا كانوا أو نساء فقد ظلوا يمشون عراة من الرأس إلى وسط الجسم إذا كانوا في داخل البيوت. وكانوا في العادة يلبسون قلانس على رؤوسهم وأخفافاً في أقدامهم، ولكن نساء الموسرين منهم كن ينتعلن أحذية من الجلد اللين الرقيق غير ذات كعاب عالية، وذات أربطة شبيهة بأربطة أحذيتنا في هذه الأيام. وكانت الأساور والقلائد والخلاخيل والخواتم والأقراط زينة النساء السومريات التي يظهرن بها ثراء أزواجهن كما تظهره النساء الأمريكيات في هذه الأيام.

الطوفان السومري :
ولما تقدم العهد بمدنيتهم- حوالي 2300 ق.م حاول الشعراء والعلماء السومريون أن يستعيدوا تاريخ بلادهم القديم. فكتب الشعراء قصصاً عن بداية الخلق ، وعن جنة بدائية، وعن طوفان مروع غمر هذه الجنة وخربها عقاباً لأهلها على ذنب ارتكبه أحد ملوكهم الأقدمين . وتناقل البابليون والعبرانيون قصة هذا الطوفان وأصبحت بعدئذ جزءاً من العقيدة المسيحية. وبينما كان الأستاذ َولي ينقب في خرائب أور عام 1929 إذ كشف على عمق عظيم من سطح الأرض، عن طبقة من الغرين سمكها ثمان أقدام، رسبت - إذا أخذنا بقوله - على أثر فيضان مروع لنهر الفرات ظل عالقاً بأذهان الأجيال التالية ومعروفاً لديهم باسم الطوفان، وصفها الشعراء فيما بعد بأنها العصر الذهبي لتلك البلاد.

  [ إلى الأعلى ]

- الملوك  :
وحاول الكهنة المؤرخون في هذه الأثناء أن يخلقوا ماضياً يتسع لنمو جميع عجائب الحضارة السومرية. فوضعوا من عندهم قوائم بأسماء ملوكهم الأقدمين، ورجعوا بالأسر المالكة التي حكمت قبل الطوفان إلى 000ر432 عام ، ورووا عن اثنين من هؤلاء الحكماء وهما تموز وجلجامش من القصص المؤثرة ما جعل ثانيهما بطل أعظم ملحمة في الأدب البابلي. أما تموز فقد انتقل إلى مجمع الآلهة البابليين، وأصبح فيما بعد أدونيس اليونان. ولعل الكهنة قد تغالوا بعض الشيء في قدم حضارتهم ولكن في وسعنا أن نقدر عمر الثقافة السومرية تقديراً تقريبياً إذا لاحظنا أن خرائب نيبور تمتد إلى عمق ست وستين قدما ًوأن ما يمتد منها أسفل آثار سرجون ملك أكد يكاد يعدل ما يمتد فوق هذه الآثار إلى أعلى الطبقات الأرضية (أي إلى بداية القرن الأول من التاريخ الميلادي).

وإذا حسبنا عمر نيبور على هذا الأساس رجع بنا إلى عام 5262 ق.م. ويلوح أن أسراً قوية من ملوك المدن مستمسكة بعروشها قد ازدهرت في كش حوالي عام 4500 ق.م وفي أور حوالي 3500 ق.م.

وإنا لنجد في التنافس الذي قام بين هذين المركزين الأولين من مراكز الحضارة القديمة أول دور من أدوار النزاع بين السامية وغير السامية، وهو النزاع الذي يكوَّن في تاريخ الشرق الأدنى مأساة دموية متصلة تبدأ من عظمة كش السامية وتستمر خلال فتوح الملكين الساميين سرجون الأول وحمورابي إلى استيلاء القائدين الآريين قورش والإسكندر على بابل في القرنين السادس والرابع قبل الميلاد، وإلى اصطراع الصليبيين والمسلمين لامتلاك قبر المسيح، وإلى التسابق التجاري، وتمتد إلى هذا اليوم الذي يحاول فيه البريطانيون جاهدين أن يسيطروا على الأقوام الساميين المنقسمين على أنفسهم في الشرق الأدنى وينشروا السلام في ربوعه.

  [ إلى الأعلى ]

- عصر أور الذهبي :
وبعد عام 3000 ق.م تروى السجلات المكونة من ألواح الطين التي كان الكهنة يحتفظون بها، والتي وجدت في خرائب أور، قصة دقيقة دقة لا بأس بها عن قيام ملوك المدائن وتتويجهم وانتصارهم غير المنقطع وجنائزهم الفخمة في مدن أور ولكش وأرك وما إليها. وما أكثر ما غالى المؤرخون في هذا الوصف، لأن كتابة التاريخ وتحيز المؤرخين من الأمور التي يرجع عهدها إلى أقدم الأزمان.
 


- أوروكاجينا الملك المُصلح والمستنير وأحكامه :
وكان واحد من هؤلاء الملوك ، وهو أوروكاجينا ملك لكش ، ملكاً مُصلحاً ومُستبداً مُستنيراً، أصدر المراسيم التي تحرم استغلال الأغنياء للفقراء واستغلال الكهنة لكافة الناس. و ينص أحد هذه المراسيم على أن الكاهن الأكبر يجب "ألا يدخل بعد هذا اليوم إلى حديقة الأم الفقيرة ويأخذ منها الخشب أو يستولي على ضريبة من الفاكهة". وخفضت رسوم دفن الموتى إلى خمس ما كانت عليه، وحرم على الكهنة وكبار الموظفين أن يقتسموا فيما بينهم ما يقربه الناس قرباناً للآلهة من أموال أو ماشية. وكان مما يباهى به الملك أنه "وهب شعبه الحرية". وما من شك في أن الألواح التي سجلت فيها مراسيمه تكشف عن أقدم القوانين المعروفة في التاريخ وأقلها ألفاظاً وأكثرها عدلا.

- خاتمة تاريخ أور :
واختتمت هذه الفترة الواضحة من تاريخ أور كما تختتم في العادة مثيلاتها من الفترات على يد رجل يدعى لوجال- زجيزي ، غزا لكش وأطاح بأوروكاجينا ونهب المدينة وهي في أوج عزها ورخائها، وهدم معابدها وذبح أهلها في الطرقات، وساق أمامه تماثيل الآلهة أسيرة ذليلة.

- أقدم القصائد المعروفة في التاريخ قصيدة الشاعر السومري دِنْجِرِ دَّامو :
ومن أقدم القصائد المعروفة في التاريخ قصيدة كتبتْ على لوح من الطين لعل عمرها يبلغ 4800 سنة يرثى فيها الشاعر السومري دِنْجِرِ دَّامو نّهاب إلهة لكش ويقول فيها :

    "وا أسفاه! إن نفسي لتذوب حسرة على المدينة وعلى الكنوز
     وا أسفاه! إن نفسي لتذوب حسرة على مدينتي جرسو "لكش" وعلى الكنوز
     إن الأطفال في جرسو المقدسة لفي بؤس شديد
     لقد استقر "الغازي" في الضريح الأفخم
     وجاء بالملكة المعظمة من معبدها
     أي سيدة مدينتي المقفرة الموحشة متى تعودين ؟ "



ولا حاجة بنا إلى الوقوف عند السفاح لوجال- زجيزي وغيره من الملوك السومريين ذوي الأسماء الطنانة الرنانة أمثال لوجال- شجنجور، ولوجال- كيجوب- تدودو، وننيجي- دبتي، ولوجال- أندرنوجنجا...

  [ إلى الأعلى ]

- مملكة أكاد تُحرر أور السومريين بقيادة سرجون الأعظم :
وفي هذه الأثناء كان شعب آخر من الجنس السامي قد أنشأ مملكة أكد بزعامة سرجون الأول، واتخذ مقر حكمه في مدينة أجاد على مسيرة مئتي ميل أو نحوها من دول المدن السومرية من ناحية الشمال الغربي. وقد عثر في مدينة سومر على أثر ضخم مكون من حجر واحد يمثل سرجون ذا لحية كبيرة تخلع عليه كثيراً من المهابة، وعليه من الثياب ما يدل على الكبرياء وعظيم السلطان.
ولم يكن سرجون هذا من أبناء الملوك: فلم يعرف التاريخ له أباً، ولم تكن والدته غير عاهرة من عاهرات المعابد. ولكن الأساطير السومرية اصطنعت له سيرة روتها على لسانه شبيهة في بدايتها بسيرة موسى.

فهو يقول: "وحملت بي أمي الوضيعة الشأن، وأخرجتني إلى العالم سراً ووضعتني في قارب من السل كالسلة وأغلقتْ علىَّ الباب بالقار". وأنجاه أحد العمال، وأصبح فيما بعد ساقي الملك، فقربه إليه، وزاد نفوذه وسلطانه. ثم خرج على سيده وخلعه وجلس على عرش أجاد، وسمى نفسه "الملك صاحب السلطان العالي" وإن لم يكن يحكم إلا قسما صغيراً من أرض الجزيرة.

ويسميه المؤرخون سرجون "الأعظم" لأنه غزا مدناً كثيرة، وغنم مغانم عظيمة، وأهلك عدداً كبيراً من الخلائق. وكان من بين ضحاياه لوجال- زجيزي نفسه الذي نهب لكش وانتهك حرمة إلهتها، فقد هزمه سرجون وساقه مقيداً بالأغلال إلى نيبور. وأخذ هذا الجندي الباسل يخضع البلاد شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، فاستولى على عيلام وغسل أسلحته في مياه الخليج الفارسي العظيم رمزاً لانتصاراته الباهرة، ثم اجتاز غرب آسية ووصل إلى البحر الأبيض المتوسط ، وظل يحكمها خمساً وخمسين سنةً، وتجمعت حوله الأساطير فهيأت عقول الأجيال التالية لأن تجعل منه إلهاً. وانتهى حكمه ونار الثورة مشتعلة في جميع أنحاء دولته.
 

   [ إلى الأعلى ]

- نارام سين :
وخلفه ثلاثة من أبنائه كل منهم بعد أخيه. وكان ثالثهم نارام - سِنْ بنَّاء عظيماً وإن لم يبق من أعماله كلها إلا لوحة تذكارية تسجل انتصاره على ملك خامل غير ذي شأن. وقد عثر ده مورجان على هذه اللوحة ذات النقش البارز في مدينة السوس عام 1897، وهي الآن من كنوز متحف اللوفر، وتمثل نارام- سِنْ رجلاً مفتول العضلات، مسلحاً بالقوس والسهام، يطأ بقدميه في خيلاء الملوك أجسام من ظفر بهم من أعدائه. ويدل مظهره على أنه يتأهب لأن يرد بالموت العاجل على توسل أعدائه المنهزمين واسترحامهم. وصور بين هؤلاء الأعداء أحد الضحايا وقد أصابه سهم اخترق عنقه فسقط على الأرض يحتضر، وتطل على هذا المنظر من خلفه جبال زغروس. وقد سجل انتصار نارام- سِنْ على أحد التلال بكتابة مسمارية جميلة. وتدل هذه اللوحة على أن فن النحتْ قد توطدت وقتئذ قواعده وأصبحتْ له تقاليد مرعية طويلة الأمد.
 

- جوديا المستنير:
على إن إحراق مدينة من المدن لا يكون في جميع الأحوال من الكوارث الأبدية التي تبتلى بها، بل كثيراً ما يكون نافعاً لها من الناحيتين العمرانية والصحية.
وهذه القاعدة تنطبق على لكش في ذلك العهد، فقد ازدهرت هذه المدينة من جديد قبل أن يحل القرن السادس والعشرون قبل الميلاد، وذلك في عهد ملك آخر مستنير يدعى جوديا ، تعد تماثيله القصيرة المُكتنزة أشهر ما بقى من آثار فن النحت السومري.

وفي متحف اللوفر تمثال له من حجر الديوريت يمثلهُ في موقف من مواقف التقوى، ورأسه ملفوف بعصابة ثقيلة كالتي نشاهدها في التماثيل المقامة في مسرح الكولوسيوم، ويداه مطويتان في حجره، وكتفاه وقدماه عارية، وساقاه قصيرتان ضخمتان يغطيهما ثوب نصفي مطرز بطائفة كبيرة من الكتابة المقدسة. وتدل ملامحه القوية المتناسبة على أنه رجل مفكر، عادل، حازم، دمث الأخلاق. وكان رعاياه يجلونه، لا لأنه جندي محارب، بل لأنه فيلسوف مفكر أشبه ما يكون بالإمبراطور ماركس أوريليوس الروماني، يختص بعنايته الشؤون الدينية والأدبية والأعمال النافعة الإنشائية، شاد المعابد، وشجع دراسة الآثار القديمة بالروح التي تدرسها بها البعثات التي كشفت عن تمثاله، ويحد من سلطان الأقوياء رحمة بالضعفاء. ويفصح نقش من نقوشه التي عثر عليها عن سياسته التي من أجلها عبده رعاياه واتخذوه إلهاً لهم بعد موته: "في خلال سبع سنين كانت الخادمة نداً لمخدومتها، وكان العبد يمشي بجوار سيده، واستراح الضعيف في بلده بجوار القوي".
 

   [ إلى الأعلى ]


- أور الكلدان :
وفي هذه الأثناء كانت "أور مدينة الكلدان" تنعم بعهد من أكثر عهودها الطوال رخاءً وازدهاراً، امتد من عام 3500 ق.م "وهو على ما يلوح عهد أقدم مقابرها" إلى عام 700 ق.م وأخضع أعظم ملوكها أور- انجور جميع بلاد آسيا الغربية ونشر فيها لواء السلام وأعلن في جميع الدولة السومرية أول كتاب شامل من كتب القانون في تاريخ العالم. وفي ذلك يقول: "لقد أقمتْ إلى أبد الدهر صرح العدالة". ولما زادت ثروة أور بفضل التجارة التي انصبت إليها صبا عن طريق نهر الفرات فعل فيها ما فعل بركليز بأثينا من بعده فشرع يجملها بإنشاء الهياكل، وأقام فيها وغيرها من المدائن الخاضعة له أمثال لارسا وأوروك ونبور كثيراً من الأبنية. وواصل ابنه دنجى طوال حكمه الذي دام ثمانية وخمسين عام أعمال أبيه، وحكم البلاد حكماً عادلاً حكيماً، جعل رعاياه يتخذونه من بعد موته إلهاً، ويصفونه بأنه الإله الذي أعاد إليهم جنتهم القديمة.
لكن سرعان ما أخذ هذا المجد يزول، فقد انقض على أور التي كانت تنعم وقتئذ بالرخاء والفراغ والسلم أهل عيلام ذوو الروح الحربية من الشرق، والعموريون الذين علا شأنهم وقتئذ من الغرب، وأسروا ملكها، ونهبوها ودمروها شر تدمير. وأنشأ شعراء أور القصائد التي يندبون فيها انتهاب تمثال إشتار أمهم الإلهة المحبوبة التي انتزعها من ضريحها الغزاة الآثمون. ومن الغريب أن هذه القصائد التي صيغت في صيغة المتكلم، وأسلوبها مما لا تسر منه الأدباء السفسطائيين، ولكننا على الرغم من هذا نحس من خلال الأربعة آلاف من السنين التي تفصل بيننا وبين الشاعر السومري بما حل بالمدينة وأهلها من خراب وتدمير. يقول الشاعر:

    لقد انتهك العدو حرمتي بيديه النجستين ؛
    انتهكت يداه حرمتي وقضى على من شدة الفزع.
    آه، ما اتعس حظي! إن هذا العدو لم يظهر لي شيئاً من الاحترام،
    بل جرّدني من ثيابي وألبسها زوجه هو،
    وانتزع مني ُحليي وزين بها أخته،
    وأنا "الآن" أسيرة في قصوره- فقد أخذ يبحث عني
    في ضريحي- واحسرتاه. لقد كنت ارتجف من هول اليوم الذي اخرج فيه،
    فقد أخذ يطاردني في هيكلي، وقذف الرعب في قلبي،
    هناك بين جدران بيتي ؛ وكنت كالحمامة ترفرف ثم تحط
    على رافدة، أو كالبومة الصغيرة اختبأت في كهف،
    وأخذ يطاردني في ضريحي كما يطارد الطير،
    طاردني من مدينتي كما يطارد الطير وأنا أتحسر وأنادي
    إن هيكلي من خلفي، ما أبعد المسافة بينه وبيني
    وهكذا ظلت بلاد سومر خاضعة لحكم العيلاميين والعموريين مائتي عام تبدو لأعيننا كأنها لحظة لا خطر لها.



  [ إلى الأعلى ]

- الملك حمورابي العظيم من بابل يستعيد أوروك وإيسين :
ثم أقبل من الشمال حمورابي العظيم ملك بابل واستعاد من العيلاميين أوروك وإيسين، وظل ساكناً ثلاثاً وعشرين سنة غزا بعدها بلاد عيلام، وقبض على ملكها، وبسط حكمه على عمور وأشور النائية، وأنشأ إمبراطورية لم يعهد لها التاريخ من قبل لها مثيلاً في قوتها، وسن لها قانوناً عاماً نظم شئونها. وظل الساميون بعد ذلك الوقت قروناً كثيرة يحكمون ما بين النهرين حتى قامت دولة الفرس، فلم نعد نسمع بعدئذ شيئا عن السومريين إذ طويت صحفهم القليلة في كتاب التاريخ.

 


2- الحياة الاقتصادية
الزراعة - الصناعة - التجارة - طبقات الناس - العلوم

 

- التوارث الحضاري من سومر وأكاد إلى بابل وآشور :
انقضى عهد السومريين، ولكن حضارتهم لم ُيقض عليها، فقد ظلت سومر وأكد تُخرجان صناعاً وشعراء وفنانين وحكماء ورجال دين، وانتقلتْ حضارة المدن الجنوبية إلى الشمال على طول مجرى نهر الفرات ودجلة حتى وصلت إلى بلاد بابل وأشور، وكانت هي التراث الأول لحضارة بلاد الجزيرة.

- نظام الري السومري :
وكان أساس هذه الثقافة وتربة الأرض التي أخصبها فيضان النهرين السنوي، وهو الفيضان الناشئ من سقوط الأمطار الشتوية. وكان هذا الفيضان ضاراً ونافعاً، فقد هدا السومريين إلى أن يجروا ماءه جرياناً أميناً في قنوات للري تخترق البلاد طولاً وعرضاً؛ وقد خلدوا أخطاره الأولى بالقصص التي تتحدث عن فيضان عظيم طغى على الأرض ثم انحسر عنها آخر الأمر ونجا الناس من شره. وكان نظام الري المحكم الذي يرجع عهده إلى أربعة آلاف سنة ق.م من أعظم الأعمال الإنشائية في الحضارة السومرية، وما من شك في أنه كان أيضا الأساس الذي قامت عليه. فقد أخرجت الحقول التي عنوا بريها وزرعها محصولات موفورة من الذرة والشعير والقمح والبلح والخضر الكثيرة المختلفة الأنواع، وظهر عندهم المحراث من أقدم العصور تجره الثيران كما كانت تجره في بلادنا حتى الأمس القريب. وكان يتصل به أنبوبة مثقوبة لبذر البذور. وكانوا يدرسون المحاصيل بعربات كبيرة من الخشب ركبت فيها أسنان من الظران تفتت القش ليكون علفاً للماشية، وتفصل منه الحب ليكون طعاماً للناس.

  [ إلى الأعلى ]

- الصناعة والتجارة السومرية :
ولقد كانت هذه الثقافة بدائية من نواحٍ كثيرة فقد كان السومريون يستخدمون النحاس والقصدير، وكانوا يخلطونهما في بعض الأحيان ليصنعوا منهما البرونز، وبلغ من أمرهم أنهم كانوا من حين إلى حين يصنعون من الحديد آلات كبيرة. ولكن المعادن مع هذا كانت نادرة الوجود قليلة الاستعمال؛ وكانت كثرة الآلات السومرية تتخذ من الظران، وبعضها، كالمناجل التي يقطع بها الشعير، يصنع من الطين؛ أما الدقيق منها كالإبر والمثاقب فكان يصنع من العاج والعظام. وكانت صناعة النسيج واسعة الانتشار يشرف عليها مراقبون يعينهم الملك على أحدث طراز من الإشراف الحكومي على الصناعات عرف حتى الآن. وكانت البيوت تبنى من الغاب تعلوه لبنات من الطين والقش تعجن بالماء وتجفف بالشمس. ولا يزال من اليسير العثور على منازل من هذا الطراز في الأرض التي كانت من قبل بلاد سومر، وكان لهذه الأكواخ أبواب من الخشب تدور في أوقاب منحوتة من الحجارة، وكانت أرضها عادة من الطين، وسقفها مقوسة تصنع من الغاب المثنى إلى أعلى، أو مستوية مصنوعة من الغاب المغطى بالطين المبسوط فوق دعامات من الخشب. وكانت البقر والضأن والخنازير تجول في المساكن في رفقة الإنسان البدائية وكان ماء الشرب يؤخذ من الآبار.

وأكثرما كانت تنقل البضائع بطريق الماء. ولما كانت الحجارة نادرة الوجود في بلاد سومر فقد كانت تنقل إليها من خارج البلاد عن طريق الخليج الفارسي أو من أعالي النهرين، ثم تحمل في القنوات إلى أرصفة المدن النهرية.

لكن النقل البري أخذ ينمو وينتشر، وشاهد ذلك ما كشفته بعثة أكسفورد في كش من مركبات هي أقدم ما عرف من المركبات ذات العجلات في تاريخ العالم . وقد عثر في أماكن متفرقة على أختام يستدل منها على وجود صلات تجارية بين سومر وبين مصر والهند. ولم تكن النقود قد عرفت في ذلك الوقت، ولهذا كانت التجارة تتبادل عادةً بطريق المقايضة، ولكن الذهب والفضة كانا يستعملان حتى في ذلك الوقت البعيد لتقدير قيم البضاعة، وكانا يقبلان في العادة بدلاً من البضائع نفسها - إما على هيئة سبائك وحلقات ذات قيم محدودة وإما بكميات تقدر قيمتها حسب وزنها في كل صفقة تجارية. وكانت الطريقة الثانية أكثر الطريقتين استعمالاً. وإن كثيراً من ألواح الطين التي وصلت إلينا وعليها بعض الكتابات السومرية لهي وثائق تجارية تكشف عن حياة تجارية جمة النشاط. ويتحدث لوح من هذه الألواح في لغة تدل على الملل والسآمة عن "المدينة التي تعج بضوضاء الإنسان". وكان لديهم عقود مكتوبة موثقة يشهد عليها الشهود، ونظام للائتمان تقرض بمقتضاه البضائع والذهب والفضة، وتؤدي عنها فوائد عينية يختلف سعرها من 15% إلى 33% في السنة.ولما كان استقرار المجتمع يتناسب إلى حد ما تناسباً عكسياً مع سعر الفائدة فإن لنا أن نفترض أن التجارة السومرية كانت كتجارتنا يحيط بها جو من الارتياب والاضطراب الاقتصاديين والسياسيين.

وقد وجدتْ في المقابر كميات كبيرة من الذهب والفضة منها ما هو حلي ومنها ما هو أوانٍ وأسلحة وزخارف، بل إن منها ما هو عدد وآلات. وكان أهل البلاد الأغنياء منهم والفقراء ينقسمون إلى طبقات ومراتب كثيرة، وكانت تجارة الرقيق منتشرة بينهم وحقوق الملكية مقدسة لديهم.

- طبقات الناس في المجتمع السومري :
ونشأتْ بين الأغنياء والفقراء طبقة أفرادها من صغار رجال الأعمال وطلاب العلم والأطباء والكهنة. وقد علا شأن الطب عندهم فكان لكل داء دواء خاص ، ولكنه ظل يختلط بالدين و يعترف بأن المرض لا يمكن شفاءه إلا إذا طردت الشياطين من أجسام المرضى، لأن الأمراض إنما تنشأ من تقمصها هذه الأجسام. وكان لديهم تقويم، لا نعرف متى نشأ ولا أين نشأ، تقسم السنة بمقتضاها إلى اثنا عشر شهراً قمرياً يزيدونها شهراً في كل ثلاثة أعوام أو أربعة حتى يتفق تقويمهم هذا مع فصول السنة ومع منازل الشمس. وكانت كل مدينة تسمي هذه الأشهر بأسماء خاصة .

3- نظام الحكم
الملوك - الخطط الحربية - أمراء الإقطاع - القانون

 

- الملوك السومريون :
والحق أن كل مدينة كانت شديدة الحرص على استقلالها، تعض عليه بالنواجذ، وتستمتع بملك خاص بها تسميه باتيسى أو الملك - الكاهن تدل بهذه التسمية نفسها على أن نظام الحكم كان وثيق الاتصال بالدين. وما وافى عام 1800 ق.م حتى نمت التجارة نمواً جعل هذا الانفصال بين المدن أمراً مستحيلاً، فنشأت منها جميعاً "إمبراطوريات" استطاعت فيها شخصية قوية عظيمة أن تخضع المدن والملوك- الكهنة لسلطانها، وأن تؤلف من هذه المدن وحدة سياسية واقتصادية. وكان هذا الملك الأعظم صاحب السلطان المطلق يحيط به جو من العنف والخوف شبيه بما كان يحيط بالملوك في عصر النهضة الأوربية. ذلك بأنه كان معرضاً في كل وقت إلى أن ُيقضى عليه بنفس الوسائل التي قضى بها على أعدائه وارتقى بها عرشه. وكان يعيش في قصر منيع له مدخلان ضيقان لا يتسع الواحد منهما لدخول أكثر من شخص واحد في كل مرة. وكان عن يمين المدخل وشماله مخابئ يستطيع من فيها من الحراس السريين أن يفحصوا عن كل زائر أو ينقضوا عليه بالخناجر. بل إن هيكل الملك كان هو نفسه مكاناً سرياً مختفياً في قصره يستطيع أن يؤدي فيه واجباته الدينية دون أن تراه الأعين، أو أن يغفل أداءها دون أن يعرف الناس شيئا عن هذا الإغفال.
 

  [ إلى الأعلى ]


- الخطط الحربية السومرية :
وكان الملك يخرج إلى الحرب في عربة على رأس جيش مؤلف من خليط من المقاتلين مسلحين بالقسى والسهام والحراب. وكانت الحرب تشن لأسباب صريحة هي السيطرة على طرق التجارة والاستحواذ على السلع التجارية؛ فلم يكن يخطر لهم ببال أن يستروا هذا الغرض بستار من الألفاظ يخدعون بها أصحاب المثل العليا. من ذلك أن منشتوسو ملك أكد أعلن في صراحة أنه يغزو بلاد عيلام ليستولي على ما فيها من مناجم الفضة، وليحصل منها على حجر الديوريت لتصنع منه التماثيل التي تخلد ذكره في الأعقاب- وتلك هي الحرب الوحيدة في التاريخ التي تخوضها الجيوش لأغراض فنية. وكان المغلوبون يباعون ليكونوا عبيداً، فإذا لم يكن في بيعهم ربح ذبحوا ذبحاً في ميدان القتال. وكان يحدث أحياناً أن يقدم عشر الأسرى قرباناً إلى الآلهة المتعطشة للدماء، فيقتلوا بعد أن يوضعوا في شباك لا يستطيعون الإفلات منها. وقد حدث في هذه المدن ما حدث بعد إذ في المدن الإيطالية في عصر النهضة، فكانت النزعة الانفصالية التي تسود المدن السومرية حافزاً قوياً للحياة والفن فيها، ولكنها كانت كذلك باعثاً على العنف والنزاع الداخلي، فأدى هذا إلى ضعف الدويلات جميعها وإلى سقوط بلاد سومر بأكملها.



- النظام الإقطاعي وأمرائه في المجتمع السومري :
وكان نظام الإقطاع وسيلة حفظ النظام الاجتماعي في الإمبراطورية السومرية. فقد كان الملك عقب كل حرب يقطع الزعماء البواسل مساحات واسعة من الأرض ويعفيها من الضرائب. وكان من واجب هؤلاء الزعماء أن يحافظوا على النظام في إقطاعاتهم، ويقدموا للملك حاجاته من الجند والعتاد. وكانت موارد الحكومة تتكون من الضرائب التي تجبى عيناً وتخزن في المخازن الملكية وتؤدى منها مرتبات موظفي الدولة وعمالها.
وكان يقوم إلى جانب هذا النظام الملكي الإقطاعي طائفة من القوانين تستند إلى سوابق كثيرة من عهد أور- أنجور ودنجى اللذين جمعا قوانين أور ودوناها.

- الشرائع السومرية :
فكانت هي المعين الذي استمد منه حمورابي شريعته الذائعة الصيت. وكانت تلك الشرائع أبسط وأكثر بدائية من الشرائع اللاحقة، ولكنها كانت أيضا أقل منها قسوة. مثال ذلك أن الشرائع السامية تقضي بقتل الزوجة إذا زنت، أما الشريعة السومرية فكل ما تجيزه أن تسمح للزوج بأن يتخذ له زوجة ثانية، وأن ينزل الزوجة الأولى منزلة أقل من منزلتها السابقة. والقانون السومري يشمل العلاقات التجارية كما يشمل العلاقات الزوجية والجنسية بوجه عام، وينظم شئون القروض والعقود، والبيع والشراء، والتبني والوصية بكافة أنواعها. وكانت المحاكم تعقد جلساتها في المعابد وكان معظم قضاتها من رجال الدين؛ أما المحاكم العليا فكان يعين لها قضاة فنيون مختصون.
وخير ما في القانون كله هو النظام الذي وضعه لتجنب التقاضي : ذلك أن كل نزاع كان يعرض أولاً على محكم عام واجبه أن يسويه بطريقة ودية دون أن يلجأ المتنازعون إلى حكم القانون ، فها هي ذي مدينة بدائية يجدر بنا أن نتلقى منها درسا نصلح به مدينتنا.


  [ إلى الأعلى ]

4- الدين والأخلاق
مجمع الآلهة السومرية - طعام الآلهة - الأساطير - التعليم - صلاة
سومرية - عاهرات المعابد - حقوق المرأة - أدهنة الشعر والوجوه


- مجمع الآلهة السومرية :
نشر أور- أنجور في البلاد شرائعه باسم الإله الأعظم شمش، ذلك أن الحكومة سرعان ما رأتْ ما في الالتجاء إلى الدين من فوائد سياسية. فلما أن أصبح الآلهة ذوي فائدة من هذه الناحية تضاعف عددهم مراراً حتى أصبح لكل مدينة، ولكل ولاية، ولكل نوع من النشاط البشري، إله موح مدبر. وكانت عبادة الشمس قد تقادم عهدها حين نشأت بلاد سومر، وكان مظهرها عبادة شمس "نور الآلهة" الذي كان يقضي الليل في الأعماق الشمالية حتى يفتح له الفجر أبوابه فيصعد في السماء كاللهب ويضرب بعربته في أعماق القبة الزرقاء. ولم تكن الشمس إلا عجلة في مركبته النارية .

وشيدت مدينة نيبور المعابد العظيمة للإله إنليل ولصاحبته ننهيل، وأكثر ما كانت تعبد أوروك إلهة أنينى العذراء إلهة الأرض والمعروفة لدى أهل أكد الساميين باسم إستير، والتي تشبه عند أهل الشرق الأدنى أفرديتى- دمتر الفاجرة الغمليجة عند الغربيين. وعبدت مدينتا كش ولكش أمّاً لهما حزينة هي الإلهة ننكر ساج التي أحزنها شقاء البشر فأخذت تشفع لهم عند الآلهة الذين كانوا أشد منها قسوة ؛ وكان ننجرسو إله الريّ و"ربّ الفيضانات". وكان أبو أو تموز إله الزرع؛ وكان سِنْ إله القمر، وكانوا يمثلونه في صورة إنسان يعلو رأسه هلال أشبه شيء بالهلالات التي تحيط برؤوس القديسين في العصور الوسطى؛ وكان الهواء كله في زعمهم مملوءً بالأرواح- منها ملائكة خيرين لكل سومر ملك منهم يحميه، ومنها أرواح خبيثة أو شياطين تعمل جاهدة لطرد الروح الخيرة الواقية وتقمص جسم الآدمي وروحه.

- طعام الآلهة :
وكانت كثرة الآلهة تسكن المعابد حيث يقرب لها المؤمنون القرابين من مال وطعام وأزواج، وتنص ألواح جوديا على الأشياء التي ترتاح لها الآلهة وتفضلها عن غيرها، ومنها الثيران، والمعز، والضأن، واليمام، والدجاج، والبط، والسمك، والبلح، والتين، والخيار، والزبد، والزيت، والكعك . ولنا أن نستدل من هذا الثبت على أن الموسرين من أهل البلاد كانوا يتمتعون بالكثير من أصناف الطعام؛ ويلوح أن الآلهة كانوا في بادئ الأمر يفضلون لحم الآدميين فلما ارتقى أخلاق الناس لم يجدوا بدا من الاقتناع بلحم الحيوان.

 [ إلى الأعلى ]

- التعليم – الصلاة :
وقد عثر في الخرائب السومرية على لوح نقشت عليه بعض الصلوات وجاءت فيها هذه النذر الدينية الغريبة: "إن الضأن فداء للحم الآدميين، به افتدى الإنسان حياته" ، وأثرى الكهنة من هذه القرابين حتى أصبحوا أكثر الطبقات مالاً وأعظمها قوة في المدن السومرية، وحتى كانوا هم الحكام المتصرفين في معظم الشئون، حتى ليصعب علينا أن نحكم إلى أي حد كان الباتيسى كاهنا- وإلى أي حد كان ملكاً.

فلما أسرف الكهنة في ابتزاز أموال الناس نهض أوروكاجينا كما نهض لوثر فيما بعد، وأخذ يندد بنهمهم وجشعهم، ويتهمهم بالرشوة في توزيع العدالة، وبأنهم يتخذون الضرائب وسيلة يبتزون بها من الزراع والصيادين ثمرة كدهم. وأفلح وقتا ما في تطهير المحاكم من هؤلاء الموظفين المرتشين الفاسدين، وسن قوانين لتنظيم الضرائب والرسوم التي تؤدى للمعابد، وحمى الضعفاء من ضروب الابتزاز، ووضع الشرائع التي تحول دون اغتصاب الأموال والأملاك. لكن العالم كان قد عمر حتى شاخ، وتأصلت فيه الأساليب القديمة التي غشاها الزمان بشيء من التبجيل والتقديس.

واستعاد الكهنة سلطانهم بعد موت أورو- كاجينا كما استعادوا سلطانهم في مصر بعد موت إخناتون؛ ذلك أن الناس لا يترددون في أن يؤدوا أغلى الأثمان لكي يعودوا إلى ما خطته لهم أساطيرهم؛ وكانت جذور الأساطير الدينية حتى في ذلك العهد السحيق قد أخذت تتأصل في العقول. ومن حقنا أن نفترض أن السومريين كانوا يؤمنون بالحياة الآخرة، لأن الطعام والأدوات كانت تدفن مع الموتى في القبور، ولكنهم كانوا يصورون الدار الآخرة، كما صورها اليونان من بعدهم، عالماً مظلماً تسكنه الأطياف التعسة ويهوى إليه الموتى أياً كان شأنهم من غير تمييز بينهم.

- الجنة والنار والنعيم الدائم والعذاب المخلد :
ولم تكن فكرة الجنة والنار والنعيم الدائم والعذاب المخلد قد استقرت بعد في عقولهم ، ولم يكونوا يتقدمون بالصلاة والقربان طمعا في "الحياة الخالدة"، بل كانوا يتقدمون بهما طمعاً في النعم المادية الملموسة في الحياة الدنيا.

وتصف إحدى الأساطير المتأخرة كيف علمت إي إلهة الحكمة أدابا حكيم إريدو جميع العلوم، ولم تخف عنه من أسرارها إلا سراً واحداً- هو سر الحياة الأبدية التي لا تنتهي بالموت. وتقول أسطورة أخرى أن الآلهة خلقت الإنسان منعما سعيدا، ولكنه أذنب وارتكب الخطايا بإرادته الحرة، فأرسل عليه طوفان عظيم عقاباً له على فعله، فأهلك الناس كافة ولم ينج منه إلا رجلاً واحد هو تجتوج الحائك، وأن تجتوج هذا خسر الحياة الخالدة والعافية لأنه أكل فاكهة شجرة محرمة.

- الأساطير :
وكان الكهنة يعلمون الناس العلوم ويلقنونهم الأساطير، وما من شك في أنهم كانوا يتخذون من هذه الأساطير سبيلاً إلى تعليم الناس ما يريدونه هم، وإلى حكمهم والسيطرة عليهم. وكانت تلحق بمعظم الهياكل مدارس يعلم فيها الكهنة الأولاد والبنات الخط والحساب، ويغرسون في نفوسهم مبادئ الوطنية والصلاح، ويعدون بعضهم للمهنة العليا مهنة الكتابة. ولقد بقيت لنا من أيامهم الألواح المدرسية وعليها جداول للضرب والقسمة، والجذور التربيعية والتكعيبية، ومسائل في الهندسة التطبيقية .ويستدل من أحد الألواح المحتوية على خلاصة لتاريخ الإنسان الطبيعي على أن ما كان يتلقاه أطفال ذلك العهد من هذا العلم لم يكن أسخف كثيرا مما تلقاه أبناؤنا في هذه الأيام. فقد جاء في هذا اللوح: "إن الإنسان في أول خلقه لم يكن يعرف شيئاً عن خبز يؤكل أو ثياب تلبس، فكان الناس يمشون منكبين على وجوههم، يقتلعون الأعشاب بأفواههم ليقتاتوا بها كما تقتات بها الأغنام، ويشربون الماء من حفر في الأرض".

  [ إلى الأعلى ]

- الدين السومري أول الأديان التي عرفها التاريخ:
ومن أعظم الشواهد الناطقة بما بلغه من هذا الدين- وهو أول الأديان التي عرفها التاريخ- من نبل في التعبير والتفكير، ذلك الدعاء الذي يتضرع به الملك جوديا للإلهة "بو" راعية لكش ونصيرتها:

    " أي ملكتي، أيتها الأم التي شيدت لكش
    إن الذين تلحظينهم بعينيك ينالون العزة والسلطان،
    والعابد الذي تنظرين إليه تطول حياته؛
    أنا ليس لي أُم- فأنت أمي،
    وليس لي أب- فأنت أبي... ؛
    أي إلهتي بو؟ إن عندك علم الخير،
    وأنت التي وهبتني أنفاس الحياة،
    وسأقيم في كنفك أعظّمك وأمجّدك،
    واحتمي بحماك يا أُمّاه "


- عاهرات المعابد :
وكان يتصل بالهياكل عدد من النساء منهن خادمات، ومنهن سراري للآلهة أو لممثليهم الذين يقومون مقامهم على الأرض؛ ولم تكن الفتاة السومرية ترى شيئا من العار في أن تخدم الهياكل على هذا النحو، وكان أبوها يفخر بأن يهب جمالها ومفاتنها لتخفيف ما يعتري حياة الكاهن المقدسة من ملل وسآمة؛ وكان يحتفل بإدخال ابنته في هذه الخدمة المقدسة، ويقرّب القرابين في هذا الاحتفال، كما كان يقدم بائنة ابنته إلى المعبد الذي تدخله .

 [ إلى الأعلى ]

- حقوق المرأة :
وكان الزواج قد أصبح وقتئذ نظاماً معقداً تحوطه شرائع كثيرة. فكانت البنت إذا تزوجت تحتفظ لنفسها بما يقدمه أبوها من بائنة ، ومع أن زوجها كان يشترك معها في القيام بهذه البائنة، فقد كان لها وحدها أن تقرر من يرثها بعد وفاتها . وكان لها من الحقوق على أولادها ما لزوجها نفسه، وإذا غاب زوجها ولم يكن لها ابن كبير يقيم معها كانت تدير هي المزارع كما تدير البيت. وكان لها أن تشتغل بالأعمال التجارية مستقلة عن زوجها ، وأن تحتفظ بعبيدها أو أن تطلق سراحهم. وكانت تسمو أحياناً إلى منزلة الملكة كما سمت شوب- آد وتحكم مدينتها حكماً رحيماً رغداً قوياً. غير أن الرجل كان هو السيد المسيطر في الأزمات جميعها وكان من حقه في بعض الظروف أن يقتل زوجته أو يبيعها أمة وفاء لما عليه من الديون. وكان الحكم الأخلاقي على الرجل يختلف عن الحكم الأخلاقي على المرأة حتى في ذلك العهد السحيق، وكان ذلك نتيجة لازمة لاختلافهما في شئون الملكية والوراثة. فزني الرجل كان يعد من النزوات التي يمكن الصفح عنها، أما زني الزوجة فكان عقابه الإعدام ، وكان ينتظر منها أن تلد لزوجها وللدولة كثيرا من الأبناء؛ فإذا كانت عاقرا جاز طلاقها لهذا السبب وحده، أما إذا كرهت أن تقوم بواجبات الأمومة، فكانت تقتل غرقاً. ولم يكن للأطفال شئ من الحقوق الشرعية، وكان للآباء إذا تبرءوا منهم علناً أن يحملوا ولاة الأمور على نفيهم من المدينة .

- أدهنة الشعر والوجوه :
غير أن نساء الطبقات العليا كن يحيين حياة مترفة، وكان لهن من النعم ما كاد يعدل بؤس أخواتهن الفقيرات، شأنهن في هذا شأن النساء في جميع الحضارات. فالأدهان والأصباغ والجواهر من أظهر العاديات في المقابر السومرية وقد كشف الأستاذ ولي في قبر الملكة شوب- آد عن مدهنة صغيرة من دهنج أزرق مشرب بخضرة، وعلى دبابيس من ذهب رؤوسها من اللازورد، كما عثر أيضا على مثبنة عليها قشرة من الذهب المخرم. وقد وجد في هذه المثبنة التي لا يزيد حجمها على حجم الخنصر ملعقة صغيرة لعلها كانت تستخدم في أخذ الصبغة الحمراء من المدهنة. وكان فيها أيضا عصا معدنية يستعان بها على ملوسة الجلد، وملقط لعله كان يستعمل لتزجيج الحاجبين أو لنزع ما ليس مرغوبا فيه من الشعر. وكانت خواتم الملكة مصنوعة من أسلاك الذهب وكان أحدها مطعما بفصوص من اللازورد، وكان عقدها من الذهب المنقوش واللازورد. وما أصدق المثل القائل أنه لا جديد تحت شمس وأن الفرق بين المرأة الأولى والمرأة الأخيرة ليتسع له اسم الخياط.


  [ إلى الأعلى ]
 

5- الآداب والفنون
الكتابة - الأدب - الهياكل والقصور - صناعة التماثيل -
صناعة الفخار - الحلي - كلمة موجزة عن المدينة السومرية

 

- الكتابة المسمارية السومرية :
الكتابة أروع ما خلفه السومريون، ويبدو هذا الفن عندهم فناً عظيم الرقي صالحاً للتعبير عن الأفكار المعقدة في التجارة والشعر والدين. والنقوش الحجرية أقدم ما عثر عليه من النقوش، ويرجع عهدها إلى عام 3600 ق. م ؛ وتبدأ الألواح الطينية في الظهور حوالي 3200 ق. م. ويلوح أن السومريين قد بدءوا من ذلك الوقت يجدون في هذا الكشف العظيم ما ترتاح له نفوسهم وما يفي بأغراضهم. ولقد كان من حسن حظنا أن سكان ما بين النهرين لم يكتبوا بالمداد السريع الزوال على الورق السريع العطب القصير الأجل، بل كتبوا على الطين الطري ونقشوا عليه ما يريدون نقشه بسن آلة حادة كالإسفين. وكانوا في ذلك جداً مهرة، فاستطاع كتابهم بفضل هذه المادة اللينة أن يحتفظوا بالسجلات، ويدونوا العقود و المشارطات، ويكتبوا الوثائق الرسمية، ويسجلوا الممتلكات والأحكام القضائية والبيوع، ويخلقوا من هذه كلها حضارة لم يكن القلم فيها أقل قوة من السيف. وكان الكاتب إذا أتم ما يريد كتابته جفف اللوح الطيني في النار أو عرضه لحرارة الشمس، فجعله بذلك مخطوطا أبقى على الدهر من الورق، ولا يفوقه في طول العمر إلا الحجر وحده. وكانت نشأة هذه الكتابة المسمارية وتطورها أعظم ما للسومريين من فضل على الحضارة العالمية.

  [ إلى الأعلى ]

وتُقرأ الكتابة السومرية من اليمين إلى اليسار ؛ والبابليون على ما نعلم هم أول من كتب من اليسار إلى اليمين. ولعل الكتابة في سطور كانت نوعاً من العلامات والصور التي جرى بها العرف والتي كانت تصور أو تنقش على الأواني الخزفية السومرية البدائية . وأكبر الظن أن الصور الأصلية قد صغَّرت وبسطت في خلال القرون الطويلة وبسبب الرغبة في سرعة كتابتها، حتى أضحت شيئاً فشيئاً علامات تختلف في شكلها اختلافاً تاما عن الأشياء التي كانت تمثلها، فصارت بهذا رموزاً للأصوات لا صوراً للأشياء. ولنضرب لهذا مثلاً من اللغة العربية يوضح هذه الطريقة وهو صورة العين. فإذا افترضنا أن صورة العين قد صغرت وبسطت وصورت حتى لم يعد معناها العين نفسها بل كان هو الصوت الخاص الذي تمثله مع حركتها "وهو الفتحة في هذه الحالة" والذي ينطق به مع حروف أخرى في كلمات مختلفة كالعَسَل مثلاً، كان هذا شبيهاً بما حدث في اللغة السومرية .

ولم يخط السومريون الخطوة التالية في هذا التطور فيجعلوا الرسم ممثلاً للحرف وحده دون الحركة عنه حتى يمكن استخدام العلامة الدالة على العين في ألفاظ مثل عنب وعُرقوب ومعمل تختلف حركة العين فيها عن الفتحة. وظلت هذه الخطوة التي أحدثت انقلاباً عظيماً في طرق الكتابة حتى خطاها قدماء المصريين .

ويغلب على الظن أن الانتقال من الكتابة إلى الأدب تطلب عدة مئات من السنين. فقد ظلت الكتابة قروناً عدة أداة تستخدم في الأعمال التجارية لكتابة العقود والصكوك، وقوائم البضائع التي تنقلها السفن، والإيصالات ونحوها ؛ ولعلها كانت بالإضافة إلى هذا أداة لتسجيل الشؤون الدينية، ومحاولة للاحتفاظ بالطلاسم السحرية، والإجراءات المتبعة في الاحتفالات والمراسم، وبالأقاصيص المقدسة، والصلوات والتراتيل، حتى لا تبيد أو يدخل عليها المسخ والتغيير. ومع هذا فلم يحل عام 2700 ق. م.
حتى كان عدد كبير من دور الكتب العظيمة قد أنشئ في المدن السومرية. فقد كشف ده سرزاك في مدينة تلو مثلاً، وفي أنقاض عمائر معاصرة لعهد جوديا، مجموعة مؤلفة من ثلاثين ألف لوح موضوعة بعضها فوق بعض في نظام أنيق منطقي دقيق.

وبدأ المؤرخون السومريون من عام 2000 ق. م. يكتبون ماضيهم ويسجلون حاضرهم ليخلفوه لمن يجئ بعدهم. ووصلت إلينا أجزاء من هذه السجلات ولكنها لم تصل إلينا في صورتها الأصلية بل جاءتنا مقتبسة في تواريخ المؤرخين البابليين. على أن من بين ما بقى من هذه الكتب في صورته الأصلية لوحاً عثر عليه في نيبور كتب عليه الأصل السومري البدائي لملحمة جلجامش التي سندرسها فيما بعد في الصورة التي تطورت إليها عند البابليين .
وتحتوي بعض الألواح المحطمة على مراثٍ ذات قوة لا بأس بها في أسلوب أدبي خليق بالتقدير. وفي هذه الألواح تبدأ خاصة التكرار اللفظي الذي تمتاز به أغاني الشرق الأدنى، فترى ألفاظاً بعينها تتكرر في بداية السطور، كما ترى كثيراً من الجمل تكرر المعنى الذي ذكر في جمل سابقة أو توضحه. وفي هذه الأثناء التي نجت من عوادى الأيام ترى النشأة الدينية للأدب في الأغاني والمراثي التي يرددها الكهنة. فلم تكن القصائد الأولى إذن أراجيز أو أناشيد غزلية بل كانت صلوات وأدعية دينية.
وما من شك في أن قروناً طويلة من النماء والتطور في سومر وفي غيرها من البلاد قد سبقت هذه البدايات الثقافية الظاهرة؛ فهذه الثقافات لم يبتدعها السومريون في هذه الحقبة بل نمت عندهم وتطورت. وكما يبدو في الكتابة أن السومريين قد ابتدعوا الخط المسماري، كذلك يبدو في العمارة أنهم ابتدعوا الأشكال الأساسية للمنازل والهياكل والأعمدة والقباب والعقود.

ويخيل إلينا أن الفلاح السومري كان أول الأمر ينشئ كوخه بأن يغرس الأعواد على هيئة مربع أو مستطيل أو دائرة، ويثني أعلاها حتى يجتمع، ثم يربطها حتى يتكون منها قوس أو عقدة أو قبة. فكان ذلك هو البداية البسيطة أو المظهر الأول المعروف لهذه الأشكال الهندسية المعمارية. وقد عثر المنقبون في خرائب نيبور على مجرى مائي معقود أنشئ منذ خمسة آلاف من السنين، وعثر في مقابر أور الملكية على عقود يرجع تاريخها إلى عام 3500 ق. م. وكانت المداخل المعقودة مألوفة في أور منذ عام 2000 ق. م. وكانت عقودها عقوداً حقه أي أن أحجارها كانت صِنجِية الرص- كل حجر منها على هيئة إسفين يتجه طرفه الرفيع إلى أسفل محكم الوضع في مكانه.

                

   

- الهياكل والقصور :

أما الأغنياء من أهل المدن فكانوا يشيدون قصوراً يقيمونها على ربُى تعلو عن أرض السهل بنحو أربعين قدماً في بعض الأحيان، وكانوا يجعلونها منيعة لا يمكن الوصول إليها إلا من طريق واحد، وبذلك يستطيع كل عظيم سومري أن يتخذ قصره حصناً له. وإذ كانت الحجارة نادرة الوجود في تلك البلاد فقد كان أغلب هذه القصور يُبنى من الآجر، وكانت الجدران الحمراء تغطى بحليات من الآجر نفسه ذات أشكال مختلفة- منها لوالب، ومقرنصات ومثلثات، ومنها معينات أو مشجرات. وكانت الجدران الداخلية تغطى بالجص وتنقش نقشاً بسيطاً. وكانت الحجرات والمرافق تقام حول فناء يقي البيت وهج شمس البحر الأبيض وحرّها. ولهذا السبب عينه مضافاً إليه رغبة القوم في الأمن من الأعداء كانت الحجرات تطل على هذا الفناء الداخلي بدل أن تطل على العالم الخارجي. أما النوافذ فكانت من الكماليات أو لعلهم كانوا في غير حاجة إليها. وكانت المياه تؤخذ من الآبار، وكان ثمة نظام واسع للمجاري وتصريف الفضلات من الأحياء المأهولة في المدن. وكان أثاث البيوت قليلاً بسيطاً. ولكنه لم يكن يخلو من طابع الفن والذوق، وكانت بعض الأسِرَّة تطعم بالمعادن أو بالعاج، وكانت لبعض الكراسي السائدة أحياناً أرجل تنتهي بما يشبه مخالب السباع على النحو الذي نشاهده في كراسي المصريين الأقدمين.

       

أما الهياكل فكانت تستورد لها الحجارة من الأقطار النائية وكانت تزين بأعمدة وأفاريز من النحاس مطعمة بمواد شبيهة بالحجارة الكريمة. وكان هيكل ناتاو في أور طرازاً تحتذيه سائر هياكل أرض الجزيرة فكانت جدرانه مغطاة من الخارج بالقرميد الأزرق الشاحب، أما من الداخل فكانت تكسوه ألواح من الأخشاب النادرة، كخشب الأرز والسرو تطعم بالرخام والمرمر والعقيق الظفري واليماني والذهب. وكان أعظم هيكل في المدينة يقام عادةً فوق ربوة يعلوه برج من ثلاث طبقات أو أربع أو سبع في بعض الأحيان، يحيط به سلم لولبي ذو بسطة عن كل مقلب. وكانت هذه الأبراج أعلى صروح في المدائن السومرية، ومساكن أعظم آلهتها، كان في وسع الحكومة أن تجد فيها آخر حصن روحي وطبيعي يعصمها من الثوار أو الغزاة.

وكانت الهياكل تزينها أحيانا تماثيل للآلهة وللحيوان وللأبطال من بني الإنسان. وكانت هذه التماثيل ساذجة وغير جميلة في صناعتها، تمثل القوة والعظمة ولكن ينقصها الصقل والأناقة والدقة الفنية. ومعظم ما بقي منها يمثل الملك جوديا.

- صناعة التماثيل :
وهي منحوتة من الحجر الديوريت الصلب نحتاً واضح المعارف ولكنه مع ذلك فج ساذج. وقد عثر في خرائب تنتمي إلى العهد السومري الأول على تمثال صغير من النحاس على شكل ثور عدى عليه الدهر ولكنه لا يزال يفيض حيوية وهمة ثورية. وفي مدينة أور عثر المنقبون على رأس بقرة مصنوع من الفضة في قبر الملكة شب- آد وهو آية فنية تشهد بما وصل إليه الفن من رقي عظيم، وإن كان الدهر قد عدا عليها حتى لم يعد في وسعنا أن نقدرها التقدير الذي هي خليقة به. وأن هذا الحكم ليؤيده ما بقي من النقوش المحفورة تأييداً لا يكاد يترك مجالاً للشد فيه كذلك تظهر خشونة الفن السومري في "لوحة الصقور" التي أقامها إينا- نوم ملك لكش، واسطوانة إبنشـــــــار المصنوعة من الرخام السماقي والصور الهزلية "وهي بلا شك هزلية" التي تمثل أور- نينا ، وبخاصة في "لوحة النصر" التي أقامها نارام- سِنْ، ولكنها مع ذلك تنم عن حيوية قوية في الرسم والنحت لا تكاد تترك مجالاً للشك في وجود فن ناشئ سائر في طريق الازدهار.

  [ إلى الأعلى ]

- صناعة الفخار – الحلي :
أما صناعة الخزف فليس في وسعنا أن نحكم عليها هذا الحكم السهل الذي أصدرناه على صناعة النحت ولعل عوادي الزمن من أسباب الخطأ في هذا الحكم، فقد لا يكون ما بقي لنا من آثار هذه الصناعة إلى أقلها شأنا. ولعل هؤلاء الناس كانت لديهم قطع منه لا تقل في إتقانها عن الأواني المنحوتة من المرمر التي عثر عليها في أريدو ، ولكن معظم الخزف السومري- وإن كانت عجلة الفخراني قد استخدمت فيه- لا يعدو أن يكون آنية ساذجة من الفخار لا تسمو إلى مستوى مزهريات عيلام.

وأما صناعة الذهب فقد بلغت مستوى رفيعا كما يدل على ذلك ما وجد في أقدم مقابر أور التي يرجع تاريخ معظمها إلى عام 4000 ق.م من أوانٍ من الذهب تنم عن ذوق راقٍ ومصقولة أجمل صقل. وفي متحف اللوفر مزهرية من الفضة ضخمة كجسم جوديا ولكنها مزينة بطائفة كبيرة من صور الحيوانات المنحوتة نحتاً جميلاً . وأجمل ما وجد من هذه القطع الفنية غمد من الذهب وخنجر مطعم باللازورد قد عثر عليها المنقبون في أور . وإذا كان لنا أن نحكم على هذه الآية الفنية من صورها الشمسية حق لنا أن نقول إن الفن يكاد يسمو فيها إلى ذروة الكمال. وقد كشف في هذه الخرائب عن عدد كبير من الأختام الأسطوانية معظمها مصنوع من المعادن الثمينة أو الأحجار الكريمة، وعليها نقوش منحوتة فيما لا يزيد على بوصة مربعة أو بوصتين. ويلوح أن السومريين كانوا يستخدمون هذه الأختام فيما نستخدم فيه نحن الإمضاءات، وكلها تشهد بما بلغته الحياة والأخلاق في تلك الأيام من رقي وتهذيب ينقض ما لدينا من فكرة ساذجة عن تقدم الإنسان المتواصل من ثقافات الأيام الخوالي المنحوسة إلى ثقافات هذه الأيام التي بلغت الحد الأقصى من الكمال!

كلمة موجزة عن المدينة السومرية :
ويمكن أن نلخص الحضارة السومرية تلخيصاً موجزا في هذا التناقض بين خزفها الفج الساذج وحليها التي أوفت على الغاية في الجمال والإتقان. لقد كانت هذه الحضارة مزيجاً مركباً من بدايات خشنة وإتقان بارع في بعض الأحيان. وفي تلك البلاد - على قدر ما وصل إليه علمنا في الوقت الحاضر- نجد أول ما أسسه الإنسان من دول وإمبراطوريات، وأول نظم الري، وأول استخدام للذهب والفضة في تقويم السلع، وأول العقود التجارية، وأول نظام للائتمان، وأول كتب القوانين، وأول استخدام للكتابة في نطاق واسع، وأول قصص الخلق والطوفان، وأول المدارس والمكتبات، وأول الأدب والشعر، وأول أصباغ التجميل والحلي، وأول النحت والنقش البارز، وأول القصور والهياكل، وأول استعمال للمعادن في الترصيع والتزيين. وهنا نجد في البناء أول العقود والأقواس وأول القباب؛ وهنا كذلك تظهر لأول مرة في التاريخ المعروف بعض مساوئ الحضارة في نطاق واسع: يظهر الرق والاستبداد وتسلط الكهنة وحروب الاستعمار. لقد كانت الحياة في تلك البلاد متنوعة، مهذبة، موفورة النعم، معقدة. وهنا بدأت الفوارق الطبيعية بين الناس تنتج حياة جديدة من الدعة والنعيم للأقوياء، وحياة من الكدح والعمل المتواصل لسائر الناس. وفي تلك البلاد كانت بداية ما نشأ في تاريخ العالم من اختلافات يخطئها الحصر.

  [ إلى الأعلى ]


الانتقال إلى مصر
أثر السومريين في أرض الجزيرة - بلاد العرب القديمة - أثر بلاد الجزيرة في مصر

على إننا إذا ما تحدثنا عن بلاد السومريين نكون جد قريبين من بداية التاريخ قرباً يصعب علينا معه أن نحكم حكماً دقيقاً أي الحضارات التي نمت في بلاد الشرق الأدنى والتي يتصل بعضها ببعض أوثق اتصال- نقول أي هذه الحضارات كانت أسبق من أختها أو أيها أعقبت الأخرى.

إن أقدم مدونات كتابية وصلت إلينا هي المدونات السومرية وإن كان هذا في حد ذاته لا يقوم دليلاً على أن الحضارة السومرية أولى الحضارات ؛ فقد لا يكون هذا الكشف إلا وليد الظروف المحضة، وقد يكون نتيجة عبث الموت والفناء بمخلفات الأقدمين. ولقد عثر على تماثيل صغيرة وآثار أخرى شبيهة بآثار السومريين في بلدتي أشور وسامراء وهما من البلاد التي شملتها فيما بعد دولة أشور. ولسنا نعرف هل هذه الثقافة القديمة مستمدة من بلاد سومر أو أنها قد انتقلت إليها من مكان آخر عن طريق نهر دجلة.
كذلك تشبه شرائع حمورابي شرائع أور- انجور ودنجى ولكننا لا نستطيع أن نثبت أن الأولى تطورت عن الثانية، وليست تطورا لشريعة أخرى أقدم منهما عهداً وأن كلتا الشريعتين استمدت أصولها منها.
وكل ما في وسعنا أن نقوله هو أننا نرجح، ولا نؤكد، أن حضارة البابليين والآشوريين مستمدتان من سومر وأكاد، أو أن سومر وأكاد قد لقحتا الحضارتين البابلية والآشورية بلقاحهما . ذلك أن آلهة بابل ونينوى وأساطيرهما الدينية ليست في كثير من الأحوال إلا آلهة وأساطير سومرية طرأ عليها التحوير والتطور، وأن العلاقة التي بين اللغتين البابلية والآشورية وبين اللغة السومرية لتشبه العلاقة القائمة بين اللغتين الفرنسية والإيطالية من جهة واللغة اللاتينية من جهة أخرى.

ولقد لفت شوينفرت أنظار العلماء إلى تلك الحقيقة الطريفة العظيمة الخطر، وهي أن الشعير والذرة الرفيعة والقمح، واستئناس الماشية والمعز والضأن، وإن ظهرت كلها في مصر وبلاد ما بين النهرين من أقدم العهود المدونة، لا توجد في حالتها البرية الطبيعية في مصر بل في بلاد آسية الغربية وبخاصة في بلاد اليمن وبلاد العرب القديمة. ويستدل من هذا على أن الحضارة- وهي هنا زراعة الحبوب واستخدام الحيوانات المستأنسة- قد ظهرت في العهود القديمة غير المدونة في بلاد العرب، ثم انتشرت منها في صورة "مثلث ثقافي" إلى ما بين النهرين "سومر، وبابل وأشور" وإلى مصر . ولكن ما وصل إلى علمنا عن تاريخ بلاد العرب القديمة حتى الآن ليبلغ من القلة حدا لا نستطيع معه إلا أن نقول أن هذا مجرد فرض جائز الوقوع.

وأكثر من هذا احتمالاً أن عناصر معينة من الثقافة المصرية مستمدة من بلاد السومريين والبابليين. فنحن نعلم أن مصر وبلاد النهرين كانتا تتبادلان التجارة- وخاصة بطريق برزخ السويس- ولعلهما كانتا تتبادلان أيضا بالطريق المائي طريق مصاب الأنهر المصرية القديمة في البحر الأحمر . وإن نظرة إلى الخريطة لتوضح لنا السبب في أن مصر كانت طوال تاريخها المعروف تنتمي إلى آسيا الغربية أكثر مما تنتمي إلى إفريقيا.
لقد كان من السهل أن تنتقل التجارة والثقافة إلى مصر من بلاد آسيا بطريق البحر الأبيض المتوسط. ولكنها لا تلبث أن تعترضها الصحراء التي تفصل- هي وجنادل النيل- بلاد مصر عن سائر بلاد إفريقيا. ومن ثم كان من الطبيعي أن نجد في الثقافة المصرية عناصر كثيرة من ثقافة ما بين النهرين.
وكلما رجعنا إلى الوراء في دراسة اللغة المصرية القديمة زاد ما نجده فيها من صلات بينها وبين لغات الشرق الأدنى السامية. ويبدو أن الكتابة التصويرية التي كان المصريون يستخدمونها قبل عصر الأسر الحاكمة قد انتقلت إلى مصر من بلاد السومريين. والخاتم الأسطواني يظهر في أقدم العهود المعروفة من تاريخ مصر، ثم يختفي، وقد كان أسلوبا قديما دخيلا استبدل به أسلوب وطني أصيل. وليست عجلة الفخراني معروفة في مصر قبل عهد الأسرة الرابعة- أي بعد أن ظهرت في سومر بزمن طويل، ولعلها جاءت إلى مصر من أرض النهرين مع العربات والعجلات.
ورؤوس الصولج المصرية لا تفترق في شيء عن البابلية. ومن بين الآثار المصرية التي ترجع إلى عصر ما قبل الأسر والتي عثر عليها في جبل الأراك سكين من الظران الجميل الصنع عليه نقوش بارزة هي بعينها نقوش أرض الجزيرة من حيث موضوعها وطرازها. ولعل صناعة النحاس قد نشأت في غرب آسيا ثم انتقلت بعدئذ إلى مصر. وتشبه الهندسة المعمارية الأولى هندسة أرض الجزيرة في استخدام النقوش الغائرة لتزيين الجدران المتخذة من الآجر. وفخار عهد ما قبل الأسر المصرية وتماثيله الصغيرة وموضوعات زينتها تشبه مثيلاتها في أرض الجزيرة في كثير من الأحوال أو شديدة الصلة بلا ريب. ومن بين الآثار المصرية الباقية من ذلك العهد تماثيل صغيرة لآلهة لا يخطئ الإنسان في أنها من أصل آسيوي. ولقد كان الفنانون في أور ينحتون التماثيل وينقشون النقوش التي يدل طرازها وما جرى عليه العرف في صنعها على قدم هذين الفنين في بلاد سومر، وذلك في الوقت الذي يلوح فيه أن الحضارة المصرية لم تعد عهد بدايتها .

ولا غضاضة على مصر في أن تعترف بالسبق لبلاد سومر. ذلك أنه مهما تكن الأصول التي استمدتها مصر من أرض دجلة والفرات فإن هذه الأصول سرعان ما نمت وأينعت وأثمرت حضارة مصرية خالصة فذة هي بلا ريب من أغنى الثقافات المعروفة في التاريخ وأعلاها شأناً وأعظمها قوة؛ وهي مع ذلك من أكثرها رشاقة وجمالاً، حضارة إذا قيست إليها الحضارة السومرية لم تكن هذه إلا بداية فجة، بل إن حضارتي اليونان والرومان لا تفضلانها في شيء.


  [ إلى الأعلى ]

    لمحةعن المؤرخ ويل ديورانت :

وليام جيمس ديورانت ( 1885 - 1981) :
كاتب و مؤرخ وفيلسوف أميركي غزير الإنتاج ، معروف بشدة لتأليفه " قصة الحضارة " حيث تضم 11 مجلداً كتبتْ بالتعاون مع زوجته ارييل ونشرت في الفترة بين 1935 و 1975. وقد عُرف سابقاً بتأليفه " قصة الفلسفة " في عام 1926 ، الذي وصفه أحد المراقبين كـ " العمل الرائد الذي ساعد على نشر الفلسفة." ويل وأريل حصلوا على جائزة بوليتزر للروايات الغير خيالية عام 1968 ووسام الحرية الرئاسي عام 1977 .
ولد ديورانت في شمال ادامز ، ماساتشوستس من والد فرنسي وأمي كندية ، جوزيف ديورانت والارد ماري ، وكان جزءا من هجرة كيبيك الى الولايات المتحدة.
في عام 1900 ، تلقى تعليمه ديورانت من قبل اليسوعيون في المدرسة الإعدادية و في وقت لاحق في أكمل دراسته في كلية القديس بطرس في جيرسي سيتي بولاية نيو جيرسي. تخرج عام 1907. كما عمل مراسلا لآرثر بريسبان الجديد لمجلة نيويورك مساء عشرة دولارات في الأسبوع.سقط في الحب مع وتزوج من تلميذة تصغره 13 عاماً ، Chaya (إيدا) كوفمان ، التي كانت تُلقب بـ "أرييل". وكان لهما ابنة واحدة ، اثيل ، وتبنوا ابنا واحداً، لويس. في عام 1917 ، وأثناء العمل على درجة الدكتوراه في الفلسفة كتب ويل ديورانت كتابه الأول في الفلسفة ، والمشكلات الاجتماعية. حصل على الدكتوراه في عام 1917. وكان أيضا أستاذاً في جامعة كولومبيا.

وصف موجز لبعض أعماله الرئيسية :

1- قصة الفلسفة
قصة الفلسفة نشأت بوصفها سلسلة من الكتب الزرقاء الصغيرة (الكتيبات التثقيفية التي استهدفت العمال) و انشهرت جداً لدرجة انه تم إعادة نشرها في عام 1926
وأصبحت من أكثر الكتب مبيعاً ، وإعطى ذلك الاستقلال المالي لديورانت الذي مكنه من السفر مع زوجته إلى العالم عدة مرات وقضاء أربعة عقود في كتابة قصة الحضارة.  فترك التدريس ، وبدأ العمل على قصة الحضارة ذات الـ 11 مجلد .



2- قصة الحضارة
ناضل ديورانت من خلال قصة الحضارة لإنشاء ما يسمى ب "التاريخ المتكامل ".
الجدير بالذكر أيضا  تميز أسلوبه في الكتابة و حوى على العديد من الأقوال المأثورة وعلى أثرها تم منحه هو وزوجته  جائزة بوليتزر للأدب ، ثم في وقت لاحق حصلوا على واحدة من أعلى اثنين من الجوائز التي تمنحها حكومة الولايات المتحدة للمدنيين ، وهو الوسام الرئاسي للحرية ، من قبل الرئيس الأمريكي فورد عام 1977.

قصة الحضارة موسوعة في فلسفة التاريخ، قضى مؤلفها عشرات السنين في إعداد العدة لها، فقرأ لذلك عشرات المؤلفات وطاف بجميع أرجاء العالم من شرقية إلى غربية أكثر من مرة. وحسب القارئ دليلا على الجهد الذي بذله في إعداد العدة لها أن يطلع على ثبت المراجع العامة والخاصة الذي أثبتها في آخر كل جزء من هذه الأجزاء. وهي مؤلفة كما قلنا من 11 مجلد .

فالمجلد الأول يبحث في أسس الحضارة ومصادرها ثم ينتقل بعدئذ إلى وصف حضارات الشرق الأوسط والأدنى وقد طبع هذا المجلد بالعربية في خمسة أجزاء كبيرة.
الجزء الأول في أسس الحضارة ونشأتها.
الجزء الثاني في حضارة الشرق الأوسط من مصر حتى بلاد إيران.
الجزء الثالث في حضارة الهند وجيرانها من بداية تاريخها إلى الوقت الحاضر.
الجزء الرابع في حضارة الصين من أقدم الأزمنة إلى وقتنا هذا.
الجزء الخامس في حضارة اليابان من بدايتها إلى العصر الحديث.

وكل جزء من هذه الأجزاء موضح بالصور والرسوم وبه فهارس وافية وأسماء مئات المصادر التي أعتمد عليها المؤلف في قصته وتعليقات وشروح للمترجم.
والخلاصة أن هذه السلسلة ذخيرة علمية لا غنى عنها للمكتبة العربية ولعشاق التاريخ والأدب والعلم والفن والاجتماع وجميع مقومات الحضارة.


وله أعمال أخرى أيضاً " روسو والثورة " و " عصر نابليون " و " عصر داروين " و " عصر أنيشتاين " و " أعظم العقول و والأفكار بجميع الأوقات " و " أبطال التاريخ " و " ريخ موجز للحضارة من العصور القديمة إلى فجر العصر الحديث "

السنوات الأخيرة :
وللزوجين ديورانتس اشتراكهما في قصة حبهم وفيها من التفصيل في هذه السيرة الذاتية المزدوجة لكليهما . بعدها ويل ذهب إلى المستشفى ، وتوقفت ارييل تناول الطعام . مات ويل بعد أن سمع ان أرييل قد ماتت.توفيا في غضون أسبوعين من بعضهم البعض عام 1981 , فهو نفسه توفي في سن الـ 96 ودفن بجانب زوجته في مقبرة قرية ويستوود ميموريال بارك في لوس انجليس.


المحة عن المؤرخ ويل ديورانت تم ترجمتها عن موقع ويكيبيديا ( الإنجليزي ) بتصرّف

 

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع أولف

www.A-Olaf.com

قسم بحوث ودراسات سريانية